فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 41

كذلك أن يحذر المتصدر في ذلك؛ لأن تصدره لا يسوغ له أن يتكلم بغير علم وأن يجيب على كل سائل ومستفتٍ، بل ينبغي له أن يحذر، فإذا كان ثمة ظن فلا يجزم في تعبير رؤياه، فإن من كان من أهل الحذق والدراية كان يخطئ في ذلك، وعليه ألا يجزم بكل حال، فضلًا عن أن يحلف يمينًا في تأويل وتعبير رؤياه، أو يقطع بذلك أنها ستحدث في يوم كذا وكذا، فإن الرؤيا من جهة الوقوع لا حد لها في ظواهر النصوص، فقد يرى الإنسان رؤيا وتقع بعد عام، أو عشرة أو عشرين أو أربعين، فإن رؤيا يوسف عليه السلام قد جاء في بعض الآثار أنها كانت بعد أربعين كما روى البيهقي في كتابه شعب الإيمان من حديث سلمان الفارسي عليه رضوان الله تعالى، قال: (رؤيا يوسف عليه السلام وقعت بعد أربعين عامًا) ، وجاء من حديث شداد عند البيهقي أيضًا قال: (وقعت بعد أربعين) ، وهذا أقصى ما يكون من وقوع الرؤيا، يعني: أن أقصى وقوعها إلى أربعين، وهذا من الآثار الموقوفة، ولا عمدة في ذلك من جهة الوحي، ولكن في الأغلب أن الرؤيا تكون قريبة، وقد تبعد. ويظهر -والله أعلم- أن قربها وبعدها بحسب نزولها على الذوات، فإذا كانت لازمة للإنسان لا تتعدى فإنها قريبة، وإذا كانت متعدية إلى الناس كافة فإنها تكون في الأغلب بعيدة؛ وذلك لأن تقلب الإنسان في ذاته من حال إلى حال أسرع من تقلب مجموع الناس والأمم والشعوب، فإذا كانت تتعلق بأمم وشعوب كانت أبعد، وإذا كانت تتعلق بفرد واحد فإن الإنسان يطرأ عليه الموت بغتة بخلاف موت الدول والشعوب وتقلب الأحوال ونحو ذلك، فإن وقوعها يكون متأخرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت