وفي سؤالها هنا: (أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث) ، في قولها: (الصالحون) إشارة إلى أن الناس يتعلقون بالصالحين إن وجدوا، وإذا كانوا لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر أن هذا من سبل الصد عن دين الله، فإن وجود الصالح بالمجتمع قد يكون وبالًا على الأمة إذا كان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، ولهذا أشارت إلى ذكر الصالحين، ولم تقل: وفينا الشيوخ، وفينا الأطفال، وفينا البهائم، لا، وإنما أشار في حال وجود الشر في الناس إلى الصالحين؛ لأن الصالح صلاحه لنفسه، والمصلح أمره متعدٍ إلى غيره، والأصل في المصلح أنه صالح في نفسه وقد أصلح غيره، ودرجة التمام في ذلك أن يكون الإنسان صالحًا في نفسه، وصالحًا في حق غيره من أهله. والمرتبة الثانية: أن يكون الإنسان صالحًا في حق غيره، ومقصرًا في حق نفسه. والمرتبة الثالثة وهي أدنى المراتب: أن يكون الإنسان صالحًا في نفسه، وليس بصالح في حق غيره، ولا يلي ذلك إلا النفاق الخالص والكفر المخرج من الملة، وذلك بانتفاء الخيرية التي أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الأمة، وذلك أن وجود الصالح فيه نوع أمر بالمعروف والنهي عن المنكر بإظهار الشعائر والشرائع في دين الله جل وعلا، وإن لم يأمر بالمعروف، ولكن عد النبي عليه الصلاة والسلام هذا تقصيرًا؛ لأنه ما تعمد تعدية ذلك إلى غيره، فقال: (نعم إذا كثر الخبث) ، وفي قوله: (إذا كثر الخبث) إشارة إلى أن ما تركه ذلك هو نوع خبث وشر يجب أن يغير وينكر، وأنه ليس من الخير في شيء.