فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 44

والصواب: أنه لا يجوز للإنسان أن يقع في الشبهات وقوعًا يجعله ديدنًا له، ومرجع ذلك على التفصيل، أي: الصواب في مسألة الوقوع في المتشابهات على التفصيل: أنه ينظر في حكم الفعل قبل ورود الشبهة، إن كان الأصل فيها الإباحة فهي مباحة، وإذا كان الأصل فيها التحريم فهي محرمة، وإذا كان الأصل فيها الكراهة فهي مكروهة، وهذا قد لا يستقيم في بعض الأحوال لكنه أغلبي، كأن يشتبه على الإنسان الطعام لا يدري أهو حرام أو حلال، أذبح على الشرع أم لا؟ يقال: قبل ورود الشبهة ما حكم هذا الطعام؟ يقال: الإباحة، والشبهة لا تغيره، والأصل فيه الإباحة، أما إذا كان الأصل فيه التحريم فيقال: بأنه محرم، كأن يكون الإنسان في بلد وثني، ووجد طعامًا مذبوحًا، ولا يدري من ذبح، يقال: إن الأصل أن الذي يذبحه وثني أنه حرام، وإن كان من جملة الشبهة التي لا يتبين فيها الإنسان، والورع ترك ذلك كله. والورع من أعلى مراتب الدين، وهو باب دقيق يوفق له الإنسان، وربما دخل الإنسان فيه في باب المحرم، فيحرم على نفسه ما أحل الله؛ والنبي عليه الصلاة والسلام حينما جاءه بعض أصحابه وقد حرموا على أنفسهم النكاح، وحرموا على أنفسهم النوم، وأخذوا يصومون، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (أما أنا فأنكح النساء، وأصوم وأفطر، ومن رغب عن سنتي فليس مني) ، فالورع يفهم ويستضاء بفهمه بنور الشرع لا بذوق الإنسان، فلا يجوز للإنسان أن يدع المباح الظاهر من غير شبهة قائمة، ويجعله في دائرة المكروه، وهذا هو الغلو في الدين الذي حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام، وحذر منه العلماء بتغليب جانب الخوف على الرجاء؛ ولهذا قال بعض العلماء: من عبد الله بالخوف وحده - أي: غلبه على الرجاء - فهو حروري. والحرورية هم الغلاة في الدين، أول ما ظهروا في بلاد حرورة، وظهرت منهم الخوارج الذين أمروا المرأة الحائض أن تصلي وتصوم تورعًا وخشية من ترك الواجب، وهذا مناقض للدين مع ظهور الدليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت