أول هذه الأمور التي تقسي القلب هي: التعرض للشبهات، وهذه الشبهات كثيرة جدًا من التشكيك في الدين، والمبالغة بالنظر إلى تعليلات الأحكام الشرعية، وأن الله سبحانه وتعالى أمر بكذا فما العلة والحكمة من ذلك؟ وكأنه يحاسب الله على تشريعه، إن وافقت حكمة الله ما في قلبه انقاد، وإلا انقاد وفي قلبه قلة تسليم؛ ولهذا جعل الله عز وجل المسلمين له هم المؤمنين الخلص كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] هذا هي طريقة أهل الإيمان، والكمال الخلص الذين ينقادون باتباع تام من غير تشكيك ونظر إلى العلل، وهذا لا يعني أنه لا يجوز للإنسان أن ينظر في العلل والأحكام، بل ينظر ما نص فيها، وينظر كذلك ما استنبط من أحكام الشرع من تحليل أو تحريم، سواء كان في باب الأمر أو باب النهي على العموم من باب المحرمات والمكروهات، أو الواجبات والمندوبات، لكنه لا يعلق قلبه بذلك، ولا يجعل ذلك مناط تصديق وغير ذلك، فإنه إن جعله مناط تصديق واطمئنان وجد في قلبه من الشبهات ما وجد؛ لهذا امتدح الله سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة الذين يسلمون لأمره؛ لهذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفاوتون في هذا الباب، فكان أعلاهم مرتبة الصديقون كأبي بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى، وإنما فاق من فاق؛ لأنه قد انقاد وأعطى التسليم المطلق للنبي عليه الصلاة والسلام، فصدقه بالمعجزات، وخوارق العادات، فكان أفضل الخلق بعد أنبياء الله سبحانه وتعالى.