فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 44

ثم قال: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) أي: كف عن عرضه، وهذا من مقاصد الشرع أنه ينبغي للإنسان أن يغلب جانب التحريم عند المتشابهات حتى يسلم له عرضه. وهذا ما يسميه العلماء بوازع الطبع، وازع الشرع هو الأوامر والنواهي، ووازع الطبع هو ما ينفر منه الإنسان طبعًا: إما خشية مذمة، وإما رغبة بمدح، وهذا مقصد مشروع، لكنه يجوز انفراده في باب الحرام، ويحرم أن ينفرد به الإنسان في باب الواجبات والعبادات؛ لأنه في باب العبادات محرم، وفي المحرمات مقصد مطلوب؛ لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (فقد استبرأ لدينه وعرضه) .

وترك الشبهات هي هدي نبوي فعله خير الخلق، وربى عليه أصحابه، من ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث طلحة بن مصرف عن أنس بن مالك عليه رضوان الله تعالى أن النبي عليه الصلاة والسلام (وجد تمرة في طريقه) ، وفي حديث أبي هريرة (وجدها على فراشه) قال: (لولا أني أخشى أنها من الصدقة لأكلتها) وهذا من ترك الشبهات، مع أن أكل الطعام أو تركه خشية الفساد مقصد شرعي؛ لهذا قد روى ابن أبي شيبة من حديث ميمونة أم المؤمنين عليها رضوان الله تعالى أنها وجدت تمرة في الطريق فأكلتها وقالت: إن الله لا يحب الفساد. يعني: إفساد الطعام وتركه حتى يفسد، مع ذلك غلب النبي صلى الله عليه وسلم جانب الورع في هذا فتركه، وكذلك أصحابه عليهم رضوان الله تعالى لما جاءه الرجل الذي قال له: إني تزوجت فلانة، وقيل لي: إني قد رضعت معها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (كيف وقد قيل؟) أي: دعها؛ احتياطًا وورعًا.

وهذا فيه فائدتان: الفائدة الأولى: الاستبراء للدين، وهذا مقصد أسمى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت