قال: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه) الرعاة يرعون في البوادي، والغالب أن الملوك تكون لهم حمى في الجاهلية والإسلام، ويستأثرون بالأماكن الجيدة عن غيرهم، إما لأبلهم أو غنمهم أو لأنفسهم، فيصطفون هذا المكان لهم من دون الناس، والراعي الذي محرم عليه أن يأتي هذا الحمى يأتي بإبله أو بغنمه ويرعى بعيدًا عنه، وهو يطمع في هذا الحمى، وبين ما هو مباح له، وبين ما هو محرم له وهو ما هو للملوك موضع شبهة، إن احترز منه بعد عن الحرام، وإن تجرأ على ما يشك فيه وقع في الحرام، والمعالم لم تكن معروفة؛ فإن حدود السابقين تحدد بالأودية وبالجبال وبالأميال من غير حد فاصل كما هو في وقتنا، فالراعي يأتي ويطمع ويقول: إني لم أصل إلى حمى الملك، فيتجرأ شيئًا فشيئًا حتى يقع في الحرام فيناله العقاب، وهذا من باب التمثيل منه عليه الصلاة والسلام.
قال عليه الصلاة والسلام مبينًا الحكمة من هذا التمثيل: (ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه) أي: أن المقصد من تحريم إتيان الشبهات هو الوقوع في المحارم بقوله عليه الصلاة والسلام: (ألا وإن حمى الله محارمه) . وقد اختلف العلماء في حكم الوقوع في المتشابه على أربعة أقوال: ذهب جماعة من العلماء -وهو قول أبي حنيفة، وقيل: إنه قول جمهور العلماء- إلى أن الوقوع في المتشابه محرم، وقال بعضهم: إنه مكروه، وتوقف بعضهم، وقال آخرون: إنه مباح، وهو داخل في خلاف الأولى.