وفي الحديث: (الحلال بين والحرام بين) هذا هو المراد في قول الله سبحانه وتعالى: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران:7] أي: هذا هو الأصل في الدين، وأما المتشابه فيوجد، والحكم منه عظيمة جليلة: بيان أن الكمال المطلق في العلم لله سبحانه وتعالى ليس لأحد غيره، كذلك بيان أن الناس يتفاوتون، وينبغي أن يطلبوا العلم ويلتمسوه من مظانه، وبفهم أقرب الناس إلى التشريع وهم الصحابة عليهم رضوان الله تعالى وكذلك التابعون، ثم من جاء بعدهم أقرب إلى الدليل وفهمه من غيرهم؛ لهذا أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحاب القرون الأولى كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) ، وجاء في رواية قد تكلم فيها بعضهم: (خير القرون قرني) .
أحكام الشريعة الأصل فيها الظهور وعدم الخفاء، وثمت قواعد وأصول عليها مدار الدين ومدار الأحكام على وجه العموم في جميع الفنون والعلوم ينبغي إدراكها.
القاعدة الأولى: تحريم القول على الله بلا علم، وقد جاء النص عليها في كلام الله سبحانه وتعالى كما قال الله عز وجل: إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ [الأعراف:33] إلى قوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33] .
القاعدة الثانية: أن ما سكت الله عز وجل عنه ورسوله عليه الصلاة والسلام الأصل فيه الإباحة، ولا يجوز لأحد أن يتجرأ عليه بتحريم إلا بدليل وأثر من كتاب أو سنة، كما قال الله عز وجل في كتابه العظيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101] ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: (وسكت عن أشياء رحمة بكم فلا تسألوا عنها) .