وينبغي بل يجب أن يعلم أن الأصل في الدين أنه محكم بين ظاهر لا يخفى على أحد، فقد أقام الله الحجة، وجعل الأعذار تنقطع بسماع الإنسان لكلام الله، كما قال الله سبحانه وتعالى -آمرًا نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله-: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6] ، فقد بين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن مجرد السماع بلغة يفهمها الإنسان وعلى وجه يفهم المراد -لو أراد- أنه قد قامت عليه الحجة، وانقطع عذره بمجرد السماع؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام -كما في صحيح الإمام مسلم وغيره-: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار) فمجرد السماع ينقطع به العذر؛ لأنه بهذا السماع دليل على أن الأصل ببلوغ الألفاظ إلى المسامع الفهم؛ لأن الله عز وجل قد أنزل القرآن واضحًا بينًا لا لبس فيه، وهذا هو الذي يفهمه جمهور الناس وعامتهم، إلا قليلًا ممن قد استغلق عليه، أو دخلت عليه عجمة، أو بعد عن مقاصد الشرع، أو خرج عن فطرته فلم يكن على الفطرة التي فطر الله عز وجل عليها الناس بمغير من المغيرات؛ ولهذا جعل الله عز وجل جمهورهم على فطرة سليمة يفهمون مراد الشرع من سماعه، كما قال الله سبحانه وتعالى: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30] ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة-: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودناه أو ينصرانه أو يمجسانه) وجاء في رواية (أو يمسلمانه) يعني: من جهة الأفعال التي قد زيدت عن الفطرة مما يوافق أصل الفطرة في قلب الإنسان.