فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 42

ولم يرد عن أيّ من الفقهاء أنّ عهد الذمّة يبيح لهم مخالفة أحكامنا الشرعية، بل أصل العقد لا يكون إلاّ بالتزامهم أحكام الإسلام كما هو معروف. ومنها عدم جواز التناكح بين رجالهم ونسائنا.

2 -إنّ سبب نزول آية الممتحنة كما هو معروف، صلح الحديبية الذي قبل فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرط قريش عليه (أنّ من جاءه من قريش مسلمًا ردّه إليهم) ولمّا جاءت المسلمات مهاجرات طالبت قريش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتنفيذ هذا الشرط وردّ المسلمات إليهم، فنزلت هذه الآية، واستثنت النساء من هذا الشرط. أي أنّها أخرجت النساء من العهد بين المسلمين والمشركين، وبيّنت علّة ذلك بقوله تعالى: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} ومعنى ذلك بوضوح: إنّ عدم حلّية المسلمة لغير مسلم، غلبت التزام المسلمين بالعهد (وهو هنا صلح الحديبية) ، وذلك مع وجود نصّ عامّ فيه يلزم المسلمين بإعادة من يخرج إليهم من قريش. فكيف إذا لم يكن أصلًا في عقد الذمّة ما يلزم بذلك، بل فيه إلزامهم بعكس ذلك تمامًا وهو خضوعهم لأحكام الإسلام؟

المسألة الثانية: أنّ فقه الإمام علي - رضي الله عنهم -، وهو من أفقه الصحابة، تعرّض لكثير من التشويه والتحريف والطمس. ذلك أنّ الأمويين الذين حكموا بلاد الإسلام أكثر من مائة سنة، ازدهر فيها الفقه وانتشرت العلوم الإسلامية، كانوا يجيزون لأنفسهم سبّ علي على المنابر، ومن باب أولى أن يتلاعبوا بفقهه وأن يحاولوا طمسه [1] . ولو أنّ هذا الرأي الثابت عنه من حيث السند كان رأيه حقيقة، ومعه عمر بن الخطّاب، لما أمكن أن نجد شبه إجماع عند التابعين على مخالفته. بل إنّنا لا نتصوّر أن يكون هذا هو رأيه، ولا يعرفه أقرب الناس إليه عبد الله بن عبّاس، ولو كان ابن عبّاس قد سمع بهذا الرأي لعلي لكان من الطبيعي أن يشير إليه وهو يدلي برأيه المخالف.

ومن جهة ثانية، نحن نعلم أنّ الشيعة الجعفرية كانوا مهتمّين جدًا بفقه الإمام علي، وكانوا حريصين كلّ الحرص إذا وجدوا عنده رأيًا مخالفًا لجمهور الصحابة والعلماء أن ينشروه، بل إنّهم ينسبون إليه أحيانًا آراء تخالف ما عليه الجمهور، وهي غير صحيحة، فكيف لو كان أمامهم رأي ثبتت صحّة نسبته إليه؟ ومع ذلك فإنّنا لم نجد لهذا الرأي أثرًا في فقه الجعفرية ولا يشيرون إليه من قريب أو بعيد.

وأنقل هنا نصّ السيد محمد مكّي العاملي [2] يقول: (ولو أسلم زوج الكتابية دونها فالنكاح بحاله، قبل الدخول وبعده، دائمًا ومنقطعًا - يشير بالمنقطع إلى زواج

(1) 2 - راجع كتاب جعفر الصادق للشيخ محمد أبي زهرة رحمه الله.

(2) 1 - ... كتاب الروضة البهيّة شرح اللمعة الدمشقية _ إصدار جامعة النجف الدينية. وهو كتاب موسّع في الفقه الجعفري من تسع مجلّدات، ومن أهمّ الكتب الموثّقة عندهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت