النساء الكافرات أو المشركات. أمّا زواج المسلمة من غير المسلم فقد بقي ممنوعًا عملًا بعموم آية البقرة. وانعقد على ذلك الإجماع كما هو معروف، ولم تخرج الدراسات المقدّمة إلى هذا المجلس عن هذا الرأي.
وجاءت آية الممتحنة تتناول عقود الزواج السابقة على الإسلام، ويهمّنا في هذا البحث المرأة إذا أسلمت وبقي زوجها على دينه، وتركت بلادها - دار الكفر - والتحقت بدار الإسلام والهجرة. لقد نصّت الآية بوضوح {فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} . وبيّنت علّة ذلك وهي عدم الحلّية بين المؤمنات والكافرين.
إذًا: آية البقرة منعت ابتداء النكاح بين المسلمة والكافر.
وآية الممتحنة أكّدت هذا المنع بالنسبة للعقود السابقة، وللعقود الجديدة {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ} - ولو بموجب عقود سابقة - {وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُن} َّ بموجب عقود جديدة.
وإذا كانت آية الممتحنة نزلت بمناسبة هجرة بعض المسلمات إلى المدينة، وجاء النهي عن إرجاعهنّ إلى الكفّار، فإنّ تعليل هذا النهي لم يأت مبنيًا على ظرف معيّن يقع فيه الإيذاء أو التعذيب أو الضغط على المرأة المسلمة من زوجها الكافر، وإنّما جاء النهي معلّلًا (بعدم الحلّية) وهذا أمر لا علاقة له باختلاف الدار ولا بالتعرّض للأذى المحتمل.
فآية البقرة تمنع إنشاء عقود جديدة.
وآية الممتحنة تمنع استمرار العقود القديمة.
أتناول في هذه المسألة أربعة أمور طرحها الأخ الكريم الشيخ عبد الله الجديع:
الأول: أنّ لفظ {فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} لا يصحّ حمله على إطلاقه بل لا بدّ من تقييده بالكافر المحارب. والحجّة في ذلك:
اعتبار الوحدة الموضوعية في السورة ومراعاة الترابط في السياق، فالآيتان السابقتان لهذه الآية ميّزت بين الكفّار المحاربين فمنعت تولّيهم، وبين الكفّار غير المحاربين فأمرت ببرّهم والإقساط إليهم، ولذلك كان يقتضي في هذه الآية أيضًا إخراج الزوج الكافر أو الزوجة الكافرة غير المحاربين من أن يكونا مُرادَيْن بهذه الآية. قال تعالى: لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ.
إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ.
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ .. إلخ.
وأجيب على هذا الأمر فأقول: