وهنا فإنّنا نؤيّد مقالة الشيخ الجديع أنّ معاشرة المرأة المسلمة لزوجها غير المسلم في مثل هذه الظروف ليست من الزنا لوجود شبهة العقد السابق، وبقائه نافذًا، أو تحوّله إلى عقد جائز موقوف، وقد أيّد هو ذلك بقول الإمام الشافعي: (ولو أسلم الرجل ولم تسلم امرأته في العدّة، فأصابها. كانت الإصابة محرّمة عليه لاختلاف الدينين ... لأنّنا علمنا أنّه أصابها وهي امرأته، وإن كان جماعها محرّمًا ... وهكذا لو كانت هي المسلمة وهو الثابت على الكفر ... ) [1] .
ونحن نرى بناءً على ما سبق أنّ سعي المرأة المسلمة لفسخ عقد زواجها القائم مع غير مسلم، واجب عليها، وليس مجرّد خيار لها وذلك للأسباب التالية:
1 -الالتزام بالنصّ الشرعي الواضح القاطع {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} . إذا لا معنى لعدم الحلّية هنا، إلاّ عدم حلّية التناكح. فالعقد قائم، ومقتضاه أنّ النكاح مباح. لذلك لا بدّ من فسخ هذا العقد حتّى يتمّ تنفيذ حكم الله بعدم التناكح.
2 -إنّ المسلمة مطالبة بتنفيذ حكم الله - وهو هنا عدم الحلّية لغير المسلم - وهي مطالبة أيضًا بالوفاء بالعقود، وبموجب عقد الزواج عليها تلبية طلب زوجها للمعاشرة الجنسية. ولا يمكن التوفيق بين الأمرين إلاّ بمخالفة أحدهما، أو بإلغائه. وبما أنّ حكم الله لا يقبل التغيير أو الإلغاء، فلم يعد هناك خيار أمام المسلمة إلاّ فسخ العقد لتتحرّر من واجب الوفاء به.
3 -تطبيقًا لمبدأ عدم الحلّية، أمر الله تعالى الرجال المسلمين بطلاق زوجاتهم المشركات من غير الكتابيّات، فقال: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر} وكان لعُمَر امرأتين مشركتين فطلّقهما امتثالًا لأمر الله، ولم يكن طلاقهما سببًا لنزول الآية بل كان تنفيذًا لها. وأجمع العلماء فيما نعلم على إطلاق هذا الحكم، إلاّ ما قرّره الشيخ الجديع من تقييد النساء الكوافر هنا بالحربيّات، ودليله على ذلك أنّ تنفيذ هذا الحكم عند نزول الآية لم يتناول إلاّ الحربيّات. وهذا ليس دليلًا كافيًا كما هو معروف.
ونقول: إنّه حتّى لو لم يوجد مثل هذا النصّ في حقّ النساء المسلمات وهو قوله تعالى: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} فإنّ قياس النساء على الرجال يكون هنا من باب أولى، ولذلك قلنا إنّه لا يجوز للمرأة المسلمة أن تتمسّك بزوج كافر، وعليها أن تبادر إلى طلب فسخ زواجها منه وتفريقها عنه.
4 -إنّ رأي الإمام ابن القيّم وشيخه ابن تيميه، وهو أنّ الزواج موقوف حتّى تنكح زوجًا غيره، على وجاهته غير ممكن التطبيق في العصر الحاضر. إذ لا يُسمح للمرأة الزواج من رجل آخر إلاّ بعد فسخ عقد زواجها السابق. وليس مقبولًا في قوانين جميع الدول، ومنها قوانين الدول الإسلامية المستمدّة من الأحكام الشرعية، أن يُباح للمرأة عقد زواج ثانٍ وهي لا تزال على عصمة زوجها الأول بحجّة أنّ الزواج الأول ينحلّ حين يُعقد الزواج الثاني. فإذا كان من حقّها بعد انتهاء العدّة أن تنكح زوجًا آخر،
(1) 1 - كتاب الأمّ للشافعي 10/ 156