الفصل الرابع
وجوب فسخ عقد النكاح السابق إذا أسلمت الزوجة
أولًا: كيفية فسخ العقد:
إنّ عقد النكاح السابق لإسلام الزوجة كان صحيحًا، ولكنّه بعد الإسلام يُصبح واجب الفسخ.
ولا يجوز لها أن تقرّ عنده على أيّ حال، ولو لم يكن محاربًا لدينها، ولو كانت ترغب في إسلامه، لأنّ النصّ جاء مطلقًا {لا هنّ حِلٌّ لهم ولا هُم يَحِلّونَ لَهُنَّ} .
وإذا قرّت عنده - بعذر أو بدون عذر - فلا يجوز لها أن تمكّنه من نفسها لأنّها لا تحلّ له.
أمّا طريقة فسخ العقد فهي رفع الأمر إلى القضاء في جميع الحالات.
? ففي دار الإسلام يُعرض الإسلام على الزوج فإن أبى يفرّق القاضي بينه وبين زوجته.
? وفي دار الحرب تطلب الزوجة التفريق لأيّ سبب ينسجم مع قوانين بلادها، وعادة تحكم المحاكم بالتفريق ولو بعد زمن طويل.
? في الفترة الممتدّة بين إسلام الزوجة وبين صدور حكم التفريق عن زوجها، تُعتبر الزوجيّة قائمة، وقد نصّت المادة /126/ من الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية على مذهب أبي حنيفة أنّه (ما لم يفرّق القاضي بينهما فالزوجية باقية) وأيّد هذا الرأي الأبياني في شرحه لهذه الأحكام وهو الرأي المعمول به في المذهب الحنفي. إلاّ أنّ هذه المادّة تشير إلى بقاء الزوجيّة في دار الإسلام باعتبار أنّ القضاء لم يكن يتأخّر في إصدار حكم التفريق. إلاّ أنّه الآن من المرجّح أن يتأخّر الحكم إلى ما بعد انتهاء فترة العدّة بسبب طول الإجراءات القضائية الحديثة، فهل تبقى الزوجيّة قائمة بكلّ مفاعيلها بما فيها حقّ الوطء؟ لم أجد فيما قرأت جوابًا على هذا السؤال. لكن في مذهب الأحناف (أنّ الزوجة إذا أسلمت في دار الحرب أو في دار الإسلام تبين عن زوجها إذا لم يسلم عند انتهاء فترة العدّة) [1] . ولكن لا بدّ أن تكرّس البينونة بحكم القضاء، فمقتضى مذهب الأحناف أنّ القاضي المسلم لو تأخّر في التفريق، فإنّ الزوجيّة باقية كعقد، لكن بدون أن يكون له حقّ الوطء.
? أمّا خارج دار الإسلام فإنّ تفريق المرأة المسلمة عن زوجها غير المسلم يستغرق سنوات طويلة قد تصل أحيانًا إلى عشر سنوات. فالقوانين المدنية الحاكمة في أكثر البلاد المسيحية تشترط أن يسبق التفريق الرسمي هجر بين الزوجين لمدّة خمس سنوات، ولا يمكن رفع طلب التفريق إلاّ بعد مرور هذه المدّة، وإذا رفض الزوج التفريق فقد يتأخّر حكم البداية ثمّ الاستئناف إلى سنوات.
فهل يصحّ أن تبقى المرأة حين تسلم معلّقة مع زوجها غير المسلم، لا تستطيع الافتراق عنه سنوات طويلة؟ وبالتالي لا تستطيع نكاح زوج آخر - ولو كان ذلك مباحًا لها شرعًا بعد انتهاء العدّة - ولا تستطيع مقاربة زوجها غير المسلم؟ إنّ الله تعالى نهى الرجل المسلم أن يميل إلى إحدى زوجتيه ميلًا كلّيًا ويذر الأخرى كالمعلّقة، أي ليست بذات زوج ولا مطلّقة كما يقول العلماء.
هذا بلا شكّ حرج حقيقي كبير ينبغي معالجته.
لكن لا تكون معالجته بإباحة الحرام ابتداءً، ومخالفة النصوص الواضحة.
وإنّما يمكن أن يُباح من قبيل الضرورة الشرعية. والضرورات تُبيح المحظورات. وإشباع الغريزة الجنسية قد يكون ضرورة تفوق ضرورة الأكل عند بعض الناس، وقد يستطيع البعض الآخر أن يصبر عليها.
فإذا قلنا إنّ الحكم الشرعي الأصلي تحريم الوطء بين المسلمة وغير المسلم.
فإنّنا يمكن أن نقول: إنّه إذا طال الوقت ولم يصدر حكم التفريق، ولم تستطع المرأة الصبر على الانتظار، وتعرّضت بذلك للوقوع في الحرام، فإنّ معاشرتها الزوجيّة لزوجها غير المسلم جائزة من قبيل الضرورة. هذه قد تكون فتوى فردية لظروف يقدّرها المفتي، ولا يمكن أن تكون حكمًا عامًّا.
(1) 1 - الطحاوي في شرح معاني الآثار 3/ 256