فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 42

ويقول الطحاوي الحنفي: (إنّ الإسلام الطارئ على النكاح، كلّ قد أجمع أنّ فرقة تجب فيه) [1] . مع أنّه يعلم بلا شكّ أنّ حمّاد شيخ أبي حنيفة كان يفتي بخلاف ذلك. ولكن يظهر أنّ الإجماع المقصود هو الذي انعقد بين جميع الفقهاء والمذاهب بعد عصر التابعين.

هذا الشرط محال لأنّ معناه الانتظار إلى يوم القيامة حتّى نتحقّق من إجماع جميع المجتهدين، وإذا تحقّق مثل هذا الإجماع فلا فائدة منه بعد نهاية الحياة.

ولذلك اتفق علماء الأصول على (أنّ الإجماع هو اتفاق جميع المجتهدين في عصر من العصور على حكم شرعي) . وموضوع حلّ المسلمة لغير مسلم بابتداء عقد زواج لم تقع إباحته فيما نعلم من أيّ من المجتهدين منذ وفاة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -. أمّا العقد الذي كان قائمًا، ثمّ أسلمت المرأة بعده، هل يمكن استمراره أو يفسخ؟

أمير المؤمنين علي يرى جواز استمرار العقد إذا كان الزوج ذمّيًا، وروي عن عمر ما يفيد جواز ذلك، وما يفيد التفريق.

ثمّ لم يروِ مثل هذا القول من التابعين إلاّ الشعبي والنخعي.

ولم يُفتِ به أحد من العلماء إلاّ حمّاد بن أبي سليمان.

ولم يروَ بعد ذلك عن أحد من العلماء إلاّ جواز استمرار العقد مع اعتباره موقوفًا وعدم حلّ الوطء به. وهذا هو القول المنقول عن ابن تيميه وابن القيّم وعن الشيعة الجعفرية.

معنى ذلك:

أنّ الإجماع منعقد فعلًا بين جميع المذاهب السنّية الأربعة والظاهرية مع الشيعة الجعفرية والزيدية، ولم نسمع ما يخالف ذلك عن أحد من العلماء المجتهدين منذ وفاة حمّاد بن أبي سليمان أنّ المسلمة لا تحلّ لغير مسلم لا بعقد جديد، ولا باستمرار عقد قديم، والخلاف محصور في حال وجود عقد قديم بين من يرى فسخه وإبطاله، ومن يرى اعتباره قائمًا ولكنّه موقوف يمنع الوطء به حتّى يسلم الزوج.

أمّا الرأي القديم المنسوب للإمام علي بن أبي طالب، فلم يأخذ به علماء السنّة والشيعة في جميع مذاهبهم، رغم جنوح الشيعة في الكثير من آرائهم الفقهية لمخالفة السنّة، حتّى ولو لم تكن عندهم رواية عن علي - رضي الله عنهم -، فكيف تكون الرواية موجودة، ويصحّحها السنّة أنفسهم، ثمّ لا يأخذ بها الشيعة. وهذا ممّا يدلّ بشكل قاطع على أنّ الرواية غير صحيحة عن الإمام علي ولو صحّت سندًا. أو أنّها شاذّة فعلًا.

أمّا ما رُوي عن عمر بن الخطّاب فهو متناقض ويُسقط بعضه بعضًا، ونحن نستغرب أن يقبل المسلمون كلّ آراء عمر وأقواله، ويتناقلها العلماء والمذاهب جيلًا بعد جيل، إلاّ هذا القول، فلا يجد من يتبنّاه من

(1) 3 - شرح معاني الآثار 3/ 259.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت