1 -إنّ آية الممتحنة لم تقل باللفظ إنّ عقد النكاح السابق على الإسلام قد انقطع هذا صحيح. ولكنّها أباحت للزوجة المسلمة المهاجرة أن تنكح زوجًا آخر، وهذا لا يمكن أن يكون إلاّ بعد إنهاء العقد السابق، والسؤال المطروح هنا: هل أنّ إنهاء العقد السابق واجب عليها أم هو جائز فقط؟ الظاهر من قوله تعالى: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} أنّ إنهاء العقد السابق واجب لعدم الحلّية. يؤيّد ذلك قوله تعالى: {وآتوهم ما أنفقوا .. } فإنّ إرجاع المهور إلى الأزواج الكفّار دليل على إنهاء العقود. والخطاب كان بفعل الأمر. وهو يتناول جميع العقود السابقة لنساء مسلمات مهاجرات، ممّا يعني أنّ السعي لإنهاء العقد السابق واجب على المرأة المسلمة، وليس جائزًا فقط. ولا يُعارض هذا رأي ابن القيّم أنّها يمكن أن تتزوّج غيره، أو أن تنتظره حتّى يسلم فتعود إليه.
2 -قصّة زينب وزوجها أبي العاص لم تثبت استمرار العقد القديم بكلّ مفاعيله، إنّما أثبتت أنّ العقد لا يزال موجودًا باعتبار أنّه لم ينقض لا بطلب منها ولا بقرار القاضي، ولكنّه كان موقوفًا عن التنفيذ، وكانت العلاقة الزوجية منتفية تمامًا (وانتفاؤها هو أدنى درجات عدم الحلّية) . يؤكّد ذلك أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (ردّ زينب ابنته على زوجها أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ولم يحدث شيئًا) وهذه هي الرواية الصحيحة كما حقّق الشيخ الجديع. فما معنى الردّ؟ ببساطة متناهية نفهم أنّ العلاقة الزوجية كانت منقطعة وعندما ردّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - زينب إلى زوجها عادت العلاقة الزوجية بينهما. ولو كانت العلاقة مستمرّة لما كانت هناك حاجة إلى الردّ.
إذًا قصّة زينب تؤكّد انقطاع العلاقة الزوجية، أمّا انقطاع العقد أو استمراره أو توقيفه فهو وحده محلّ الخلاف.
3 -نفي الحلّ في قوله تعالى: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} لا يعني إبطال العقد أو انفساخه بذاته، هذا صحيح، ولكنّه إشعار للمؤمنين بأنّ العلاقة الزوجية بين المرأة المسلمة وزوجها الكافر ليست حلالًا إلاّ أن يؤمن، وبالتالي يجب عليها السعي لفسخ هذا العقد. أمّا القول (إنّ عدم الحلّية يعني عدم تمكين الكافر المحارب من زوجته المسلمة المهاجرة) فقد ناقشناه سابقًا ولا ضرورة للإعادة.
الجواب على الدليل السادس:
إنّ إقدام عمر بن الخطّاب على طلاق زوجتيه المشركتين المقيمتين في مكّة تنفيذًا للأمر الإلهي {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} قد يعني أنّ العقد لم ينقطع بمجرّد الأمر الإلهي، وأنّه لا بدّ أن ينفّذ المسلم هذا الأمر، فإن كان الرجل هو المسلم والمرأة كافرة - غير كتابية - فعليه أن يطلّقها، وهذا معنى الآية {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} . وإن كانت المرأة مسلمة وزوجها غير مسلم فعليها أن تطلب التفريق من الجهة التي يمكنها ذلك وهذا معنى قوله: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} . فإن كانت في دار الإسلام فهي تطلب التفريق من القاضي المسلم، وعليه أن يجيبها لطلبها إذا عرض عليه الإسلام وأبى طالما هو ينفّذ الأحكام الشرعية. وإن كانت خارج دار الإسلام فعليها أن تطلب من الجهة القضائية المختصّة التفريق، وإذا كان هذا الأمر ممكنًا فهو يرفع عنها واجب الهجرة لأنّها عند ذلك تستطيع أن تبقى في وطنها دون أن تتعرّض لأذى أو فتنة أو إجبار على معصية أمر الله.