فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 42

2 -أمّا زينب بنت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - زوجة أبي العاص بن الربيع، فمن الثابت كما أكّد الشيخ الجديع نفسه في تحقيقه الدقيق أنّها هاجرت بعد رجوع زوجها من أسره ببدر، وكان ذلك يقينًا قبل نزول آية البقرة وآية الممتحنة. فعندما كانت مع زوجها في مكّة لم يكن حكم التفريق بسبب اختلاف الدين قد نزل، وعندما نزل هذا الحكم كانت أصلًا مفترقة عن زوجها هي في المدينة وهو في مكّة. هذا الافتراق يعني انقطاع الحياة الزوجية ولو بقي العقد معلّقًا موقوفًا، وإذا كانت رواية ابن إسحق عن أسر أبي العاص وإجارته من قِبَل زوجته زينب وقبول رسول الله هذا الجوار وقوله لها: (أي بُنيّة، أكرمي مثواه ولا يخلصنّ إليك، فإنّك لا تحلّين له) رواية ضعيفة وفق تحقيق الشيخ الجديع، إلاّ أنّها هنا لم تنشئ حكمًا جديدًا حتّى نحتاج إلى توثيقها، بل هي تأكيد للحكم الثابت بالنصّ: {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} ، ولأنّه حتّى ولو لم ترد هذه الرواية أصلًا، فإنّ مفارقة زينب لزوجها بعد بدر وانقطاع الحياة الزوجية بينهما فعلًا، ونزول آيتي البقرة والممتحنة قبل ذلك يجعل التفريق بين زينب وأبي العاص أمرًا ظاهرًا، وإن لم يتمّ بعد فسخ العقد نهائيًا. وعلى من يريد القول (إنّ جوار زينب لأبي العاص وإطلاق أسره أدّى إلى عودة العلاقة الزوجية بينهما أثناء وجوده في المدينة وهو على كفره) ، أن يثبت ذلك لأنّه ادعاء خلاف الظاهر. والصحيح أنّه لم ترد أيّة رواية ولو ضعيفة تتحدّث عن هذا الأمر، فتبقى رواية ( .. لا يخلصنّ إليك فإنّك لا تحلّين له) مقبولة ولو كانت ضعيفة، لأنّها متوافقة مع النصوص ومع الواقع، وهي لم تشرّع حكمًا جديدًا ولكنّها تأكيد لحكم ثابت.

إنّ قصّة زينب تؤكّد إذًا أنّ اختلاف الدين فرّق بينها وبين زوجها ولو حصل ذلك بعد سنوات طويلة من حياتهما المشتركة، ويزيد ذلك تأكيدًا ما ثبت أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ردّ زينب إلى زوجها أبي العاص بعد إسلامه بالنكاح الأول. فلماذا الردّ إذا لم تكن الفرقة حاصلة؟

3 -من العجيب أن يقول الشيخ الجديع إنّ العمل استمرّ بعد الهجرة على أنّ اختلاف الدين لم يكن يفرّق بين المرأة وزوجها، وهو لم يستدلّ على ذلك إلاّ بهاتين القصّتين، وقد بيّنا أنّ أمّ لبابة معذورة لأنّها كانت من المستضعفات بمكّة، وأنّ زينب كانت مفترقة عن زوجها أبي العاص.

بينما نجد أنّ كثيرًا من الروايات الصحيحة تؤكّد أنّ العمل بعد الهجرة - وخاصّة بعد نزول آيتي البقرة والممتحنة - على أنّ اختلاف الدين يفرّق بين المرأة وزوجها. وحسبنا من هذه الروايات ما ذكره البخاري في صحيحه عن ابن عبّاس (كان المشركون على منزلتين من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين. كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تُخطب حتّى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حلّ لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تُنكح رُدّت إليه .. ) [1] .

وما أخرجه أبو داود والترمذي عن ابن عبّاس (أنّ رجلًا جاء مسلمًا على عهد النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ثمّ جاءت امرأته مسلمة بعده، فقال زوجها: يا رسول الله، إنّها كانت قد أسلمت معي، فردّها عليه) [2] . وهذا يؤكّد أنّ العمل بين المسلمين كان على أنّ الهجرة بسبب اختلاف الدين تؤدّي للتفريق بين الزوجين، وأنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اكتفى بتصريح الزوج أنّها أسلمت معه ليردّها عليه. والردّ لا يكون إلاّ بعد فرقة.

(1) 1 - فقه الإمام البخاري - محمد أبو فارس. دار الفرقان، عمّان - الجزء الثاني - صفحة 577

(2) 2 - جامع الأصول لابن الأثير الجزري - الجزء الحادي عشر - صفحة 509

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت