الفصل الأول
هل يوجد في هذه المسألة نصّ قاطع؟
أقول: في المسألة نصّان واضحان كلّ الوضوح وهما: آية البقرة وآية الممتحنة، وإن حاول البعض إخراج المسألة المطروحة من حكم هذين النصّين بالتأويل، وسأذكر فيما يلي مرتكزات هذا التأويل الفاسد.
النصّ الأول: آية البقرة:
قال تعالى: {وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [1] .
دلّت هذه الآية على حكمين:
الأول: تحريم زواج المسلم من المشركة حتّى ولو أعجبته، وطالما بقيت على شركها.
الثاني: تحريم زواج المسلمة من المشرك حتّى ولو أعجبها وأعجب أهلها، وطالما بقي على شركه.
وعلّة التحريم في الحالتين هي الشرك باعتباره الوصف المؤثّر.
أمّا الحكم الأول فقد ورد تخصيصه بآية المائدة { .. وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ .. } [2] . فقد أباح الله تعالى بموجب هذه الآية للمسلم الزواج من الكتابية، واتفق على ذلك العلماء، فبقي الزواج من سائر المشركات محرّمًا بنصّ الآية الأولى، وقد أجمع العلماء على ذلك فيما نعلم.
أمّا الحكم الثاني وهو زواج المسلمة من المشرك، فبقي محرّمًا على إطلاقه، شاملًا غير المسلمين جميعًا سواء كانوا كتابيين أو غير كتابيين، ويظهر أنّ الإجماع منعقد على ذلك أيضًا.
لكن المقولة التي يطرحها أستاذنا الشيخ القرضاوي: (نحن منهيّون ابتداءً أن نزوّج المرأة المسلمة لكافر، كما قال تعالى: { .. وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا .. } وهذا ممّا لا يجوز التهاون فيه، فلا تزوج المسلمة ابتداءً لغير مسلم. ولكن نحن هنا لم نزوّجها بل وجدناها متزوّجة قبل أن تدخل في ديننا ويحكم عليها شرعنا، وهنا يختلف الأمر في البقاء عنه في الابتداء، إذ من المقرّر المعلوم: أنّه يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء، وهذه قاعدة فقهية مقرّرة، ولها تطبيقات فروعية كثيرة) .
(1) 1 - سورة البقرة، الآية 221
(2) 2 - سورة المائدة، الآية 5