فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 42

الإسلام. فحين يستمرّ النكاح السابق دون إسلام المشرك نكون قد وقعنا في مخالفة صريحة للنصّ القاطع (إلاّ أن يكون هناك دليل على تخصيص هذا النصّ أو تقييده) .

? يقول الأصوليون: إنّ النهي يقتضي الانتهاء على الفور والتكرار والدوام [1] . والانتهاء على الفور يقتضي التوقّف عن العمل أو العقد السابق المحرّم.

? عندما حرّم الله الربا، وكان بعض المسلمين قد وقعوا في عقود ربوية سابقة واستحقّوا الفوائد الربوية، مُنعوا من استيفائها لأنّها أصبحت حرامًا، ولو كانت مبنية على عقود سابقة للتحريم، لكن ما قبضوه قبل التحريم لم يؤمروا بإرجاعه، بل شُرع لهم استيفاؤه لقوله تعالى: { .. فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ .. } [2] ، أمّا بعد التحريم فلا يجوز قبض الربا المحرّم. قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ} [3] . وقال عليه الصلاة والسلام: (ربا الجاهلية موضوع. وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب فإنّه موضوع كلّه) [4] . وقال النووي في شرحه: (المراد بالوضع الرد والإبطال) أي أنّ العقد الربوي المعقود قبل التحريم يجب إبطاله بعد التحريم. واتفقت المذاهب الثلاثة وجمهور الفقهاء أنّه يجب فسخ عقد الربا فورًا. بينما يرى الأحناف أنّه يجب إلغاء الربا منه فيصبح عقد بيع جائزًا. فعندما نزل تحريم الربا، لم تُمنع العقود الجديدة فقط، وإنّما أيضًا أُبطلت العقود القديمة، وأُمِر الدائنون باسترجاع رؤوس أموالهم فقط.

? إنّ علّة التحريم لنكاح المسلمة بغير المسلم هي اختلاف الدين بدليل قوله تعالى: {أولئك يدعون إلى النّار .. } ، وهذه العلّة المشار إليها في آخر الآية، موجودة في عقود الزواج السابقة إذا أسلمت المرأة وبقي زوجها على دينه. والحكم كما هو معروف، يدور مع علّته وجودًا وعدمًا، فيقتضي لذلك إبطال العقود السابقة لهذا السبب، كما يجب منع العقود الجديدة.

? من المعلوم أنّ الشريعة صحّحت من حيث الأصل عقود الزواج المعقودة بين الكفّار، ولكن إذا أسلم الزوجان يصبح العقد خاضعًا للأحكام الشرعية، وإذا أسلم أحدهما فقط يصبح العقد خاضعًا للأحكام الشرعية بالنسبة له، وعليه أن يسعى لتصحيح العقد أو إبطاله بحسب هذه الأحكام.

وقد اتفق العلماء على تصحيح العقد السابق إذا كان فساده مبنيًا على انتفاء أحد شروطه كالولي أو الشاهدين، وأجمعوا على إبطال عقود الزواج السابقة إذا كان سبب فساده راجعًا لحرمة المحل، كما لو كانت الزوجة من أقرباء الزوج بالنسب أو بالمصاهرة قرابة تجعلها محرّمة عليه، أو كان للزوج أكثر من أربع زوجات فيجب عليه أن يستبقي أربعة منهنّ ويفارق الباقي، أو كان يجمع بين زوجتين لا يحلّ له الجمع بينهما فيخيّر في استبقاء إحداهنّ .. وقد وردت في أكثر هذه المسائل نصوص نبوية صحيحة. ولا أظنّ أنّ شيخنا القرضاوي أو الشيخ الجديع يعارضان في أيّ من هذه المسائل.

وكان من الطبيعي أن يلحق علماؤنا مسألة المرأة إذا أسلمت وبقي زوجها على دينه، بالعقود التي ينبغي إبطالها لحرمة المحلّ أسوة بسائر العقود المطلوب إبطالها لنفس السبب. وقد أجمع على ذلك الجمهور الأكبر منهم، وخالف العدد القليل. ومال الشيخان القرضاوي والجديع إلى هذا الرأي المخالف لأسباب سنناقشها فيما بعد، لكن ما أردت هنا أن أقوله هو:

إنّ آية البقرة تحرّم نكاح المسلمة من غير المسلم.

وهذا التحريم كما هو للمستقبل يقتضي أن يتناول العقود الماضية.

وأنّ السنّة الصحيحة لم تصحّح من عقود الزواج بين الكفّار إذا أسلموا ما كان سبب فساده راجعًا لحرمة المحل، واختلاف الدين يدخل في هذه الأسباب.

ثالثًا: التحريم يشمل إنشاء العقود الجديدة ومنع استمرار العقود القديمة:

وذلك للأسباب التالية:

1 -إنّ عموم الآية يقتضي شمول حكمها للعقود السابقة، لأنّ المطلق يجري على إطلاقه ما لم يأت تخصيص لذلك، ولم يأت مثل هذا التخصيص إطلاقًا، وسنرى فيما بعد أنّ آية الممتحنة تأكيد للحكم في إحدى حالاته، وليست تخصيصًا. وسنرى أيضًا أنّ كلّ ما ورد في السنّة الصحيحة هو تأكيد لهذا الحكم وليس تخصيصًا.

2 -أمّا القاعدة الفقهية المعروفة (البقاء أسهل من الابتداء) [5] و (يُغْتَفَر في البقاء ما لا يُغْتَفَر في الابتداء) [6] فقد ذكرها الفقهاء في أنواع التصرّفات المالية، وقد راجعت ما ورد من شروح لهاتين المادّتين في (شرح أحكام المجلّة لعلي حيدر، وشرح سليم باز) ، وشرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد الزرقا، فوجدتها جميعًا تضرب الأمثلة لهذه القاعدة حول (هبة الحصّة الشائعة وأنّها لا تصحّ ابتداءً، ولا تبطل إذا كانت صحيحة ثمّ طرأ عليها الشيوع، وحول عدم جواز توكيل الوكيل لشخص آخر بالبيع إذا لم يكن مفوضًا بذلك، وإذا فعل لا يصحّ بيعه. لكن لو أنّ فضوليًا باع فأجاز الوكيل ذلك

(1) 1 - التمهيد في أصول الفقه. أبو الخطاب الحنبلي - مؤسسة الريّان - بيروت.

(2) 2 - سورة البقرة، الآية 275

(3) 3 - سورة البقرة، الآيتان 278 - 279

(4) 4 - رواه مسلم.

(5) 1 - مجلّة الأحكام العدلية - المادّة 56

(6) 2 - مجلّة الأحكام العدلية - المادّة 55

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت