الفصل الثاني
ما هي حقيقة الإجماع في هذه المسألة؟
لقد استعرض الشيخ الجديع مذاهب الصحابة، وتبيّن له أنّ مذهب أميري المؤمنين عمر وعلي (أنّ المرأة إذا أسلمت وهي تحت كافر غير محارب يمكن أن تمكث تحته إن شاءت) .
ثمّ استعرض مذاهب التابعين والفقهاء فوجدها ثلاثة عشر قولًا وذكرها مع نسبة كلّ قول إلى صاحبه، ممّا يؤكّد وجود الخلاف في هذه المسألة، فكيف تستساغ دعوى الإجماع؟
وأقول:
فلنسلّم بالنتيجة التي وصل إليها الشيخ الجديع، وبصحّة الروايات التي صحّحها وبعدم وجود روايات أخرى في الموضوع، فقد بذل جهدًا كبيرًا في البحث والتحقيق، ولنقل: إنّه ليس في هذه المسألة إجماع رغم ما نقله كثير من العلماء عن انعقاد الإجماع فيها. إذ يظهر أنّ الإجماع انعقد على تحريم زواج المسلمة من غير المسلم ابتداءً، أمّا من أسلمت وزوجها غير مسلم وبقي على دينه فلم ينعقد على وجوب التفريق في وقت محدّد إجماع. لكن في الحقيقة انعقد الإجماع على مبدأ التفريق الحسّي، وبقي الخلاف حول إبطال العقد وكيف يتمّ ومتى يتمّ. فإذا دقّقنا في الأقوال الثلاثة عشر التي ذكرها الشيخ الجديع - وكان ابن القيّم قد ذكر أنّ الخلاف في هذه المسألة على تسعة أقوال [1] _ وجدنا أنّ هذه الأقوال جميعها ترجع عند التدقيق إلى ثلاثة فقط:
الأول: بطلان عقد النكاح السابق بين المسلمة وغير المسلم، والخلاف ضمن هذا القول على وقت البطلان فقط وهو يشمل الأقوال التي ذكرها الشيخ الجديع من 1 إلى 8، والقول الحادي عشر أيضًا وهو أنّه لا يبطل عقد النكاح إلاّ بقضاء القاضي أو بانتهاء العدّة، فهو يتوافق في النهاية مع من يقول ببطلان العقد بانتهاء العدّة.
الثاني: لا يبطل عقد النكاح السابق إلاّ بقضاء القاضي مطلقًا أو في دار الإسلام فقط، هذا هو القول التاسع والعاشر والحادي عشر أيضًا.
الثالث: ينتقل العقد السابق من عقد لازم إلى عقد جائز، يجيز لها أن تفارقه وتنكح زوجًا غيره إن شاءت، ولا يجوز له أن يطأها مطلقًا في دار الحرب أو في دار الإسلام وفق القول الثاني عشر - قول ابن القيّم - ويجوز الوطء بينهما ما دامت في دار الإسلام وفق القول الثالث عشر - قول عمر وعلي، والذي تبنّاه فيما بعد عامر الشعبي وإبراهيم النخعي وحمّاد بن أبي سليمان.
من هذا التلخيص يتبيّن لنا:
أنّه إذا لم يكن هناك إجماع بالمعنى الأصولي، فإنّ هناك رأي الأكثرية الساحقة من العلماء الذي استقرّ على وجوب إبطال عقد النكاح، وعلى عدم جواز استمرار العلاقة الزوجية.
أمّا رأي ابن تيميه وابن القيّم وهو القول الثاني عشر، فهو يلتقي مع هذا الرأي في تحريم الوطء. ولا يوجب على المرأة إبطال عقد النكاح، بل يجيز لها ذلك، ونحن نؤخّر مناقشته إلى القسم الأخير من هذه الدراسة. وأمّا الرأي المنسوب إلى أميري المؤمنين عمر بن الخطّاب وعلي بن أبي رضي طالب رضي الله عنهما فسنناقشه فيما يلي:
(1) 1 - أحكام أهل الذمّة لابن القيّم الجوزية - دار العلم للملايين - بيروت. الجزء الأول، صفحة 317 وما بعدها.