دائمًا حتّى في غير ضرورة؟ هل يمكن أن يصبح الحكم الاستثنائي قاعدة أصلية يُقاس عليها؟
الرابع: سبب النزول:
يقول الشيخ الجديع: إنّ الآية تحدّثت عن وضع خاص: مسلمة هربت بدينها ممّن يسعون إلى فتنتها فيه وهم الكفّار المحاربون، إلى من اعتقدت أنّهم ينصرونها فيها وهم مسلمون ... هذا الوضع اقتضى شرائع مناسبة، فأوجب إيواء المؤمنة الهاربة بدينها، ومنع من تمكين العدوّ منها بإرجاعها إليه.
فحاصل النظر في سبب نزول الآية وما احتفّ بها من حيثيّات: عدم قطعيّة سبب المنع من إرجاع المهاجرات إلى الكفّار. وإذا كان الاحتمال على دلالة هذه الآية واردًا، فإنّ ذلك يدلّ على أنّ للاجتهاد فيها مجالًا.
أقول:
(العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) كما يقول الأصوليون.
أي أنّ العام يبقى على عمومه وإن كان وروده بسبب خاص. فالعبرة بالنصوص وما اشتملت عليه من أحكام، وليست العبرة بالأسباب التي دعت إلى مجيء هذه النصوص. يقول الإمام الشافعي: (السبب لا يصنع شيئًا، إنّما تصنع الألفاظ) . وأكثر عمومات القرآن والسُنّة جاءت بسبب وقائع تحدث أو جوابًا على سؤال.
على أنّنا أمام آية الممتحنة نجد النصّ القرآني يعطي علاجًا للواقعة الحادثة وهي (مسلمة هاجرت بدينها من مكّة إلى المدينة، فيطلب امتحانها، ويمنع إرجاعها للكفّار، ويأمر بردّ مهرها إليهم. وكافرة بقيت في مكّة ولم تلحق بزوجها المسلم، أو ارتدّت عن الإسلام ولحقت بمكّة، فينهى عن إمساك عصمتها) . ولكنّه عندما أراد بيان العلّة في هذا الحكم، لم يلجأ إلى التعليل بالظروف القائمة، وإنّما رجع إلى التعليل بالحكم الشرعي الأساسي، وهو عدم جواز التناكح أصلًا بين المسلمات وغير المسلمين الثابت بآية البقرة. ومن البديهي القول: إنّ هذا الحكم الأساسي لم يتنزّل بسبب الواقعة الحادثة، إنّما أمر الله تعالى بتطبيقه فيها. لذلك فإنّه حتّى لو لم نأخذ بقاعدة (العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب) فإنّ اللفظ هنا {لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} يتضمّن حكمًا عامًّا ثبت بآية البقرة وليس ناشئًا عن سبب النزول.