فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 42

البقرة والممتحنة، إذ هي التي تبيّن الحكم الشرعي في هذه المسألة، ومن المعروف أنّ القرآن الكريم نزل منجّمًا، وأنّ الأحكام الشرعية وردت أيضًا بالتدريج، ولا يخالف أيّ من العلماء في أنّ تحريم زواج المسلمة من غير المسلم شُرع بعد الهجرة مع نزول آية البقرة، ولا يقول أحد إنّ تحريم بقاء المسلمة مع زوج غير مسلم كان قبل نزول آية الممتحنة.

نعم. إنّ تغيير الدين لم يكن قبل الهجرة مؤثّرًا على صحّة عقود النكاح السابقة لأنّه لم يكن قد ورد الدليل المخالف لذلك، وأصبح مؤثّرًا ومؤدّيًا إلى التفريق بين الزوجين بعد نزول آية الممتحنة كما ذكرنا.

الجواب على الدليل الرابع:

وهو أنّ العمل بعد الهجرة استمرّ على أنّ اختلاف الدين لم يكن يفرّق بين المرأة وزوجها، بدليل بقاء المستضعفات في مكّة مع أزواجهنّ، ومنهنّ أمّ الفضل زوجة العباّس، وزينب بنت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - زوجة أبي العاص بن الربيع.

ونقول:

1 -أماّ أمّ الفضل لبابة بنت الحارث زوجة العبّاس بن عبد المطّلب، فهي أسلمت كما هو معروف قبل العبّاس، وكان ابنها عبد الله بن عبّاس مسلمًا تبعًا لها وهو من الولدان، وقد صحّ عنه أنّه قال: (كنت أنا وأمّي من المستضعفين، أنا من الولدان وهي من النساء) رواه البخاري وغيره وعلّق عليه الذهبي بقوله: (فهذا يؤذن بأنّهما أسلما قبل العبّاس وعجزا عن الهجرة) [1] .

وهذا يعني أنّ أمّ الفضل كانت مع العبّاس مسلمة وهو كافر، قبل أن ينزل حكم وجوب التفريق بين الزوجين باختلاف الدين، فلا حرج عليها. وإن كانت قد بقيت عنده بعد نزول هذا الحكم ومعرفتها به - إذ ربّما نزل الحكم ولم تعرف به لأنّها ليست في دار الإسلام - فهي معذورة لأنّها كانت مستضعفة. والإعذار هنا حكم عام مبني على رفع الحرج في هذا الدين. لكن ورد النصّ على هذا الإعذار في نفس الآية، ممّا يعني أنّه لولا الاستضعاف لوقع المسلمون في المعصية. وأنّه بسبب الاستضعاف فهم يأملون بعفو الله ومغفرته. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ، قَالُوا: فِيمَ كُنتُم؟ ْ قَالُوا: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْض. ِ قَالُوا. أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا؟ فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا. إِلًاَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [2] .

إنّ تاريخ إسلام أمّ الفضل ليس معروفًا بدقّة، لكنّه كان يقينًا قبل الهجرة، أمّا تاريخ إسلام العبّاس، فهو في أسوأ الاحتمالات عند فتح مكّة. وبناءً على ذلك يمكننا أن نقول: إنّ اختلاف الدين لم يكن يفرّق بين المرأة وزوجها بعد الهجرة بالنسبة للمستضعفات في مكّة. لكن من الواضح أنّ هذا استثناء تفرضه الضرورة، وهو لا يلغي القاعدة الأساسية بل يثبتها.

(1) 1 - سير أعلام النبلاء 2/ 315

(2) 1 - سورة النساء، الآيات 97 - 98 - 99

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت