فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 42

أمّا الشيخ الجديع فيطرح المسألة من زاوية ثانية ويقول:

(إنّ حالة استمرار العقد الواقع قبل الإسلام على الصحّة، لم تشملها الآية بحكم إبطال، إنّما دلّت على إبطال الشروع في النكاح على تلك الصفة المذكورة فيها) .

ويستدلّ على ذلك بالتطبيق العملي في الحياة النبوية بعد نزول الآية، وأنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لم يُبطل العقود الزوجية التي كانت صحيحة قبل الإسلام بسبب اختلاف الدين بإسلام أحد الزوجين.

وسأناقش هاتين المقولتين من خلال الشرح التالي:

أولًا: حول معنى النكاح:

منعت الآية الكريمة نكاح المسلمة من غير المسلم. والنكاح لغة يعني العقد ويعني الوطء، كما جاء في لسان العرب. وقد وردت لفظة النكاح في المصطلح الشرعي بالمعنيين أيضًا، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ .. } [1] . فأراد بالنكاح هنا العقد بدليل {مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما يجوز للرجل أن يتمتّع به من زوجته الحائض: (افعلوا كلّ شيء إلاّ النكاح) [2] فأراد بالنكاح هنا الوطء. وهذان المعنيان متلازمان. إذ لا يجوز الوطء إلاّ بعقد شرعي، ومجرّد العقد يبيح الوطء ضمن الضوابط الشرعية.

فالآية الكريمة عندما تمنع نكاح المسلمة من غير المسلم، تمنع العقد والوطء معًا. فإذا أسلمت المرأة وكانت مرتبطة بعقد زواج سابق صحيح، لم يعد الأمر في الآية متعلّقًا بمنع إجراء العقد، لأنهّ قائم والبحث يدور حول شرعية استمراره أو وجوب إبطاله. فإذا كان استمراره مشروعًا بقي الوطء مباحًا. وإذا كان استمراره غير مشروع صار الوطء حرامًا، حتّى ولو ظلّ العقد قائمًا ولم يكن بالإمكان فسخه.

ثانيًا: حول أثر التحريم:

التحريم يعني منع القيام بعمل في المستقبل. أمّا ما وقع المسلم فيه من حرام قبل ورود التحريم، أو قبل إسلام المسلم فهو معفوّ عنه.

لكن إذا كان الحرام السابق من الأعمال أو العقود المستمرّة، فهل يجوز استمراره بحجّة أنّه نتيجة لعمل أو عقد سابق، أو يجب منع استمراره؟

? الظاهر القاطع أنّ التحريم والمنع يتناول المستقبل بلا جدال. ومقتضى ذلك أيضًا أنّه يشمل ما يقع في المستقبل ولو كان استمرارًا لعمل أو عقد سابق، لأنّ إباحة الاستمرار تعني هنا مناقضة النصّ. ولأنّ التحريم هنا حُدّد إلى غاية وهي الإيمان { .. وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا .. } فلا يجوز النكاح بين المسلمة وغير المسلم حتّى يدخل في

(1) 1 - سورة الأحزاب، الآية 49

(2) 2 - رواه مسلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت