والشيخ الجديع يقول: إنّه لو لم ينفّذ عمر الأمر القرآني لكان مواقعًا للمحذور، ولكن لا تطلق عليه امرأته.
هذا كلام صحيح، ونحن نقول مثله في حقّ المرأة المسلمة التي لا تطلب التفريق عن زوجها الكافر، وتعيش معه حياة زوجيّة كاملة أنّها وقعت في المحذور. أمّا التفريق فهو لا يقع في نظرنا إلاّ باتفاق الزوجين، أو بقرار من القاضي. ذلك لأنّ التفريق بين الزوجين هو فسخ للعقد القائم. والعقد لا يقوم إلاّ بالتراضي بين الطرفين، وهو يُفسخ أيضًا بالتراضي. وحين يكون فسخه واجبًا تنفيذًا لأمر شرعي فلا يمكن أن يتمّ إلاّ من قِبَل القضاء. والقاعدة العامّة في العقود - كما يقول السنهوري في كتابه نظرية العقد - أنّ الفسخ لا يتمّ إلاّ بالتراضي أو بالقضاء.
بل نقول: إنّه لو لم يكن هناك نصّ في حقّ المرأة المسلمة يوجب عليها طلب التفريق من زوجها غير المسلم، فإنّ القياس على هذا النصّ {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} هو قياس من باب أولى. لأنّه إذا كان مطلوبًا من الرجل المسلم أن يطلّق زوجته غير الكتابية بسبب اختلاف الدين، وهو صاحب القوامة وربّ العائلة، فمن باب أولى أن تؤمر المرأة المسلمة بطلب التفريق من زوجها غير المسلم بسبب اختلاف الدين، لأنّ القوامة له وهو ربّ العائلة ومن الطبيعي أن يقيم البيت وفق نظرته المخالفة للإسلام، حتّى ولو لم يقهرها شخصيًا على الوقوع في المحرّمات.
وهو أنّ التفريق لا يحقّق مصلحة، بل هو مفسدة، لأنّه ينفّر من الدخول في الإسلام:
أقول:
1 -اتفق جمهور العلماء على أنّ الشرع إذا أمر بشيء فهو مصلحة، وإذا نهى عن شيء فهو مفسدة، ولو لم يدرك ذلك الناس بعقولهم، لأنّ المصلحة أو المفسدة تتبع النصّ الشرعي إن وُجِد. وإذا ظنّ الناس وجود مصلحة في مخالفة النصّ فهي مصلحة مُتوهّمة، وليست حقيقيّة.
كما اتفقوا فيما نعلم أنّ البحث في وجوه المصلحة أو المفسدة، لا يكون إلاّ في الأمور غير المنصوص عليها، والتي يكون حكمها الشرعي الاجتهادي متأثّرًا بما فيها من مصالح أو مفاسد، حسب تقديرات المجتهدين.
2 -إذا علمت المرأة أنّها ستفترق عن زوجها إن هي أسلمت، نفرت من الإسلام، وإذا علمت أنّ النكاح يبقى بحاله شجّعها ذلك على الدخول في الإسلام.
لو سلّمنا بهذا الكلام فماذا نقول إذا أسلمت المرأة وكانت متزوّجة من أحد أقربائها الذين يُمنع عليهم التزوّج بها؟ أو بمن ثبت رضاعه معها من امرأة واحدة رضاعًا محرّمًا. هل نغيّر الحكم الشرعي في حقّها حتّى نشجّعها على الدخول في الإسلام؟
وماذا نقول لو أسلمت المرأة، وكانت قد عقدت زواجًا مع امرأة أخرى تحبّها، وقد أصبح زواج الجنس الواحد مشروعًا في بعض الدول غير الإسلامية؟ هل نقول لها: إنّ الإسلام لا يقرّ هذا الزواج ويجب أن يحصل التفريق بينكما، أو نغيّر هذا الحكم الشرعي حتّى نشجّعها على الدخول في الإسلام؟