الفصل الثالث
أدلّة الشيخ الجديع على جواز بقاء المرأة بعد إسلامها مع زوجها غير المسلم
الدليل الأول: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه، واختلاف الدين لم يوجب على نوح ولوط مفارقة زوجتيهما الكافرتين، ولم يوجب على آسية مفارقة زوجها فرعون.
الدليل الثاني: إنّ أنكحة الكفّار فيما بينهم صحيحة، ولا تبطل إذا أسلم الزوجان، إلاّ إذا كانت المرأة لا تحلّ لزوجها حسب أحكامنا الشرعية، ولا يُؤمر الزوجان بتجديد النكاح.
الدليل الثالث: ما جرى عليه العمل بين المسلمين قبل الهجرة، وأنّ عقود النكاح السابقة كانت على الصحّة، وبقي الناس عليها بعد الإسلام، فهذا دليل على أنّ تغيير الدين لم يكن مؤثّرًا في صحّة عقد النكاح السابق.
الدليل الرابع: ما جرى عليه العمل بعد الهجرة، فبقاء طائفة من المؤمنين بمكّة أمر مقطوع به لقوله تعالى: { .. إِلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ .. } [1] ولقوله تعالى: { .. وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ .. } [2] . ومن المحتمل أن يكون بين هؤلاء امرأة مسلمة مع زوج كافر، أو رجل مسلم مع زوجة كافرة. بل ما يؤكّد وقوع ذلك قصّة أمّ الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية زوجة العبّاس بن عبد المطّلب، وقد أسلمت قبله وبقيت عنده، وقال عبد الله بن عبّاس: (كنت أنا وأمّي من المستضعفين، أنا من الولدان، وأمّي من النساء) رواه البخاري، وقال عن ابن عبّاس إنّه (لم يكن مع أبيه على دين قومه) . وعلّق المؤرّخ الذهبي على ذلك بقوله: (فهذا يؤذن بأنّهما أسلما قبل العبّاس وعجزا عن الهجرة) [3] . وكذلك قصّة زينب بنت النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ومكثها تحت زوجها أبي العاص بن الربيع، وهي مسلمة وهو يومئذ كافر. هاتان القصّتان دلّتا أنّه بعد الهجرة استمرّ العمل على أنّ اختلاف الدين لم يكن يفرّق بين المرأة وزوجها، وأنهّ لم تأت الشريعة بما يضادّ ذلك قبل آية الممتحنة.
الدليل الخامس: آية الممتحنة لم تقل أنّ عقد النكاح قد انقطع بين المهاجرة وزوجها الكافر المحارب، إنّما أباحت لها النكاح. وجاءت قصّة زينب فأثبتت استمرار العقد القديم. ونفي الحلّ لا يعني إبطال العقد السابق لأنّه لم يبطل عقد زواج زينب، وإنّما يعني منع تمكين العدوّ الكافر المحارب من المسلمة.
الدليل السادس: إقدام عمر على طلاق زوجتيه المشركتين بمكّة عندما نزل قوله تعالى: {وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} ، ولو انقطع الزواج بهذه الآية لما احتاج للطلاق، ولو لم يطلّق لوقع في المحذور لكن لم تطلق عليه امرأته.
الدليل السابع: وقد أشار إليه الشيخ الجديع واعتبره يقوّي رأيه وهو [أنّ التفريق بمجرّده لا يحقّق مصلحة، بل هو مفسدة. ولا يناسب التبشير بدين الإسلام، ونقل قول ابن تيميه: (إنّ المرأة إذا علمت أو الزوج، أنّه بمجرّد إسلامه يزول النكاح ويفارق من يحبّ، ولم يبقَ له عليها سبيل إلاّ برضاها ورضا وليّها ومهر جديد، نفر عن الدخول في الإسلام. بخلاف ما إذا علم كلّ منهما أنّه متى أسلم فالنكاح بحاله، ولا فراق بينهما إلاّ أن يختار هو المفارقة، كان في ذلك من الترغيب في الإسلام ومحبّته ما هو أدعى إلى الدخول فيه) ] .
(1) 1 - سورة النساء، الآية 98
(2) 2 - سورة الفتح، الآية 25
(3) 3 - سير أعلام النبلاء - الذهبي 2/ 315