وذكر الشيخ الجديع أنّ رأيه الذي استخلصه من الدراسة أبعد في تحقيق مقصد تأليف القلوب. فقد اعتبر ابن تيميه النكاح قائمًا لكنّه موقوف. أمّا الشيخ الجديع فيرى أنّه نافذ، ويجوز لهما أن يقيما معًا إن شاء المسلم منهما ذلك، ما لم يضرّ بدينه، ورجاء أن يشرح الله صدر صاحبه للإسلام، وهذا أعظم في تأليف القلوب.
وكان الشيخ الجديع قد أشار إلى هذا المعنى في مقدّمة دراسته وذكر سلبيّات التفريق بين الزوجة التي أسلمت وزوجها الباقي على دينه، ومنها:
? أنّ المسلمين في ديار الغربة لا يملكون القدرة على إيواء المسلمين الجدد وكفالتهم، فلو أسلم أحد الزوجين وترتّب على ذلك إلزامه بمفارقة قرينه، فإلى أين يصير؟
? وإذا كان بين الزوجين حبّ ووئام وحسن عشرة قبل الإسلام، ثمّ أسلم أحدهما وألزمناه بمفارقة زوجه، فكيف سيكون ظنّه بدين جديد يفرّق بينه وبين من يحبّ؟
? وكيف إذا كانت بينهما ذرّية، فيجد الجميع أنّ الإسلام فرّق أسرتهم. والله تعالى يعتبر التفريق بين المرء وزوجه من أخلاق الشياطين والسحرة.
وأجيب على هذه الأدلّة باختصار فأقول:
مأخوذ من الدليل نفسه، فالشيخ الجديع يقول (شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه) . وهل هناك شكّ عند أحد من أهل العلم أنّ آية البقرة نسخت الشرائع السابقة بوضوح قاطع؟ والشيخ الجديع نفسه يقول إنّ هذه الآية (دلّت على إبطال الشروع في النكاح على تلك الصفة المذكورة) وشيخنا القرضاوي يقول (فنحن منهيّون ابتداءً أن نزوّج المرأة لكافر، وهذا ممّا لا يجوز التهاون فيه) .
وطالما أنّ النسخ صحّ بهذه الآية الواضحة القاطعة، ثمّ أجمع عليه المسلمون بعد ذلك فقد سقط الاستدلال بقصّة امرأتي نوح ولوط وآسية زوجة فرعون. مع الإشارة إلى أنّ زوجة فرعون كانت مكرهة، وبالتالي فإنّ اعتبار الإكراه حالة تبيح للزوجة المسلمة أن تظلّ مع زوجها الكافر هي حالة موجودة عندنا لدى النساء المستضعفات في مكّة، وقد عذرهنّ الله تعالى كما بيّنا سابقًا. يدلّ على إكراه آسية زوجة فرعون قوله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [1]
الجواب على الدليل الثاني:
أنّ أنكحة الكفّار فيما بينهم صحيحة بإطلاق طالما هم على الكفر، لكنّها ليست صحيحة إذا أسلم الزوجان أو أحدهما، بل هي أنواع:
(1) 1 - سورة التحريم، الآية 11