3 -أمّا السؤال: لو أسلم أحد الزوجين، وترتّب على ذلك إلزامه بمفارقة قرينه، فإلى أين يصير؟ فهو سؤال غريب، لأنّ المعروف اليوم في دول العالم - غير الإسلامي - أنّ الدولة تكفل مواطنيها. وأنّ المرأة إذا أسلمت لا تخسر جنسيّتها، وبالتالي فستظلّ مكفولة من الدولة بشكل أفضل بكثير من بلادنا الإسلامية. ثمّ هي تستطيع إن شاءت أن لا تتزوّج رجلًا آخر، وتنتظر زوجها السابق حتّى يسلم، كما يمكنها أن تتزوّج أحد المسلمين، فمصيرها في جميع الأحوال ليس فيه حرج لا يُحتمل. وإن وُجِد هذا الحرج في حالات خاصّة فليس معقولًا أن نبني عليه حكمًا عامًّا. ولو أسلمت المرأة وبقيت تعيش مع زوجها غير المسلم وهي عاصية بذلك، وقد تكون معذورة عند الله، وقد يغفر لها الله. ولكن تغيير الحكم الشرعي الأساسي بحقّ جميع المسلمات، وما يترتّب عليه من إقامة بيوت غير إسلامية، ومن إنجاب ذرّية جديدة ضائعة بين أمّ مسلمة وأب غير مسلم، ومن اضطرار المرأة المسلمة - مسايرة لزوجها غير المسلم - إلى التساهل في كثير من الأحكام الشرعية بعدما قبلت من حيث الأصل أن تعيش زوجة لرجل غير مسلم. كلّ هذه النتائج تترتّب على هذا القول الخاطئ.
4 -وهذه زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كانت تعيش مع زوجها أبي العاص في منتهى الحبّ والوئام وحسن العشرة، ومع ذلك فقد فارقت زوجها، ولم ترجع إليه إلاّ بعد أن أسلم، وهذا ما صحّ عند الشيخ الجديع نفسه (أنّ رسول الله ردّ زينب إلى زوجها بالنكاح الأول) فهو قد ردّها لأنّها كانت مفارقة له، ولم يردّها إليه إلاّ بعد أن أسلم وهاجر. لقد فرّق الإسلام بين زينب وبين زوجها الذي تحبّ، ورضيت هي بذلك، وهو لم يزدد نفورًا من الإسلام، لأنّها بقيت تعامله حتّى بعد الافتراق بالوفاء الواجب أملًا بإسلامه، ولم يمنعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك.
5 -وماذا عن المرتدّ؟ إنّ عقده الأصلي مع زوجته المسلمة عقد صحيح، ومع ذلك فإنّ ردّته توجب فسخ هذا العقد، ولا يُلتفت إلى إمكان خراب العائلة، لأنّ خرابها بردّته أكبر بكثير. ومهما كان بينه وبين زوجته المسلمة من مودّة وألفة، فإنّ الردّة ينبغي أن تُبطِل ذلك.
6 -وإذا كانت هناك ذرّية، فإنّ الإسلام يحرص على جمع الأسرة لتقيم حدود الله، وإذا كان اجتماعها لمعصية الله فهو غير مطلوب. هذا من البدهيّات التي أشارت إليها كثير من النصوص الشرعية. والأسرة يجب أن تقوم أولًا وفق أحكام الشريعة، لتستطيع بعدها إقامة هذه الأحكام. وممّا لا شكّ فيه، أنّه إذا لم يكن هنا أولاد، فإنّ التفريق بين الزوجين بسبب الإسلام لا يترتّب عليه أيّ ضرر، اللهمّ إلاّ مفارقة الزوجة لزوجها الذي قد تحبّ. أمّا حين يوجد الأولاد فمسؤولية الزوجة تجاههم قائمة، تفرضها الفطرة ويفرضها الإسلام، وعليها أن تقوم بهذه المسؤولية حتّى مع الافتراق عن زوجها، وضمن حدود الضوابط الشرعية. إنّ مسؤولية الزوجة تجاه أولادها ليست فقط الاعتناء بأمورهم المادّية، ولكن أيضًا وقايتهم من النار وهذا لا يتمّ إلاّ بالإيمان والطاعة، وهو لا يقوم في بيت يكون الأب فيه غير مؤمن أصلًا، والتفريق يساعد الأبناء على التعرّف على الإسلام ليس فقط من خلال انفصال الأبوين، وإنّما أيضًا من خلال اختلاف كلّ منهما، ومن خلال التساؤل عن العقيدة التي كانت سبب التفريق، وإشعارهم أنّ عقيدة الإنسان هي أهمّ شيء في حياته على الإطلاق.