فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 42

يرى أنّ عقد الزواج السابق بين غير المسلمين يبطل بإسلام الزوجة، فورًا أو بعد العدّة، وبالتالي فلا يمكن إرجاع زينب بعقد باطل، بل لا بدّ من عقد جديد. ولكن هذا الإشكال يزول حسب رأينا، أنّ العقود السابقة لا تبطل بالنصّ القرآني ولا بهجرة الزوجة ولا بإسلامها. إنّما يجب إبطالها باتفاق الطرفين أو بقرار من القاضي. وإذا لم يتمّ ذلك لأيّ سبب، فهي عقود قائمة، ولكنّها لا تبيح المعاشرة الزوجية المحرّمة بالنصّ. فإذا استمرّ بقاؤها حتّى أسلم الزوج، لم تعد هناك حاجة لإبطالها فتُستأنف المعاشرة الزوجية بالعقد القديم كما حصل مع زينب وأبي العاص.

? بيّنت قصّة زينب أن تصحيح أنكحة الجاهلية ليس على إطلاقه، بل إنّه إذا كان النكاح قائمًا ثمّ أسلمت الزوجة وبقي الزوج على دينه، يجب الانفصال حتّى ولو كان الزوج لا يؤذي زوجته ولا يفتنها عن دينها. دلّ على ذلك اشتراط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي العاص عندما أطلقه أن يعيد إليه زينب كما تأكّد ذلك بالقرائن الواضحة، حتّى قبل نزول آية الممتحنة. لكن الانفصال الحسّي بين الزوجين لا يؤدّي بالضرورة إلى إبطال العقد. وبعد نزول آية الممتحنة تأكّد الأمر بالانفصال الحسّي ومنع الإرجاع، وعُلّل ذلك بعدم الحلّية بين الزوجة المسلمة وزوجها غير المسلم. فتكون هذه الآية قد منعت الاستمرار على أنكحة الجاهلية السابقة بعد الإسلام والهجرة، لكن مع ذلك لم يقع إبطال عقد نكاح زينب وأبي العاص. فهي لم تطلب ذلك لأنّها لا تزال تنتظر إسلام أبي العاص، ولم يلزمها رسول الله بإبطال العقد، وقد رُوي أنّ عمر بن الخطّاب خطبها من أبيها الذي استشارها في ذلك فقالت له: (إنّ أبا العاص منك كما قد علمت وإن شئت أن تنتظره، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) . هذا العرض من الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعني أنّ العقد السابق وإن كان صحيحًا من حيث الأصل، إلاّ أنّه لم يعد قائمًا، أو أنّه قائم ولكنّه موقوف كما يرى ابن القيّم، وبالتالي فهو باطل أو قابل للإبطال، فإذا تمّ الزواج الجديد فقد أبطل العقد السابق، وإذا لم يتمّ بقي العقد السابق قائمًا وموقوفًا ولكنّه قابل للإبطال.

? ممّا يؤيّد هذا التفسير أنّ قصّة زينب في جميع الروايات الصحيحة والضعيفة تنصّ على (ردّ رسول الله لها إلى زوجها أبي العاص) ولا معنى للردّ إذا لم يكن هناك انفصال حسّي على أقلّ تقدير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت