تنصّ المادّة (64) من القواعد الفقهية المقرّرة في مقدّمة مجلّة الأحكام العدلية على أنّ: (المطلق يجري على إطلاقه، إذا لم يقم دليل التقييد نصًا أو دلالة) . واتفق على ذلك جمهور الأصوليين.
ولفظ الكفّار لم يرد تقييده بالنصّ. ولا يصحّ الاستدلال على تقييده بالنصّ السابق له. فالآيتان السابقتان تتناولان العلاقات الاجتماعية العامّة بين الناس فتميّز بين الكافر المحارب فتنهى عن تولّيه، وبين الكافر غير المحارب فتسمح ببرّه والإقساط إليه. أمّا الآية الثالثة فتتناول العلاقات الزوجية، والفرق كبير في الأحكام الشرعية بين العلاقات الاجتماعية الإنسانية والتي تُبنى في الأصل على التعارف والتعايش والتسامح والقسط كما تؤكّد ذلك كثير من الآيات، وبين العلاقات الزوجية التي تُبنى في الأصل على منع التزاوج مع الاختلاف في الدين إلاّ زواج المسلم من الكتابية، فقد أُبيح استثناءً من الأصل المقرّر لأنّ تأثيره في مناقضة مقاصد الزواج أقلّ، وربّما أدّى إلى دخول الكتابيات في الإسلام عن طريق هذا الزواج. ومن الأمور اليقينية التي لا يجوز الاختلاف فيها: أنّ مقاصد الشريعة من إباحة الاجتماع الإنساني في صوره المختلفة، ومن تشريع العلاقات الإنسانية رغم اختلاف الدين، ومن إباحة اللقاء والتزاور، والأمر بالحوار، وإباحة التعاون والمتاجرة وغير ذلك. كلّ ذلك يختلف تمامًا عن مقاصد الشريعة في الزواج، وهي كما نعلم التناسل والتكاثر وإقامة الأحكام الشرعية في البيت، وتربية الأولاد على ذلك، وهذه لا تتحقّق بشكل معقول إلاّ أن يختار الزوج شريك حياته على أساس الالتزام الحقيقي بالإسلام، وليس مجرّد الانتماء الاسمي، وهذا ما أكّد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما أمر الرجل بالزواج بذات الدين وأمر المرأة وأهلها أن يقبلوا صاحب الدين.
الثاني: أنّ إلحاق الكافر غير المحارب بالمحارب، قياس للأدنى على الأعلى، وهو باطل. بل هو هنا في مقابلة النصّ، حيث فرّقت الآيتان السابقتان بينهما. هذا قول الشيخ الجديع.
وأقول:
إنّ الحكم الأصلي المنصوص عليه في آية البقرة منع زواج المسلمة من غير المسلم بإطلاق. وآية الممتحنة ألحقت الكافر المحارب صاحب العقد السابق بهذا الحكم ومنعت استمرار عقد زواجه، وعلّلت ذلك بكفره لا بحربيّته، فهي لم تنشئ حكمًا جديدًا وإنّما طبّقت الحكم الأصلي. ولذلك كان من الطبيعي أن يبقى الكافر غير المحارب ملحقًا بحكم الآية الأولى بالتزام النصّ وليس بالقياس، ومن الخطأ الفادح إلحاقه بآية الممتحنة، لأنّ هذا الإلحاق لا يتمّ إلاّ بعد تحقّق أمرين: