والرواية الثانية تقول: (إنّ القضية رُفعت إلى عمر، فقال للرجل: أسلمت وإلاّ فرّقت بينكما .. ففرّق عمر بينهما) . وليس هناك أيّة إشارة إلى أنّ المرأة نفسها هي التي رفعت القضية، أو أهلها. ومن المكن أن يرفع القضية أيّ واحد من المسلمين لأنّها من دعاوى الحسبة. وإنّما أراد الشيخ الجديع أن يقول إنّها هي التي رفعت الدعوى، ليشير أنّها تريد التفريق، وأنّ عمر بالتالي فرّق بناءً لرغبتها، وليس لأنّ الحكم الشرعي يلزمه بالتفريق، وذلك ليوائم بين هذه الرواية والرواية الأولى التي ترك فيها عمر الخيار للزوجة. وهو جمعٌ بين الروايتين مناسب، ولكن تفسير الرواية الثانية كما ذكره محتمل وليس مؤكّدًا.
2 -إنّ اعتبار القصّة الثانية ضعيفة من حيث الرواية، وبالتالي لا يُحتجّ بها، غير مسلّم. فابن حزم نفسه الذي قال عن الرواة (أبو إسحق لم يدرك عمر. والسفّاح وداود بن كردوس أو يزيد بن علقمة مجهولون) هو الذي قبل هذه الرواية [1] فقال بالحرف الواحد:
( .. وأمّا قولنا فمروي عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم، كما روينا من طريق شعبة، أخبرني أبو إسحق الشيباني قال: سمعت يزيد بن علقمة، أنّ جدّه وجدّته كانا نصرانيين، فأسلمت جدّته، ففرّق عمر بن الخطّاب بينهما .. ) ثمّ ذكر سائر الروايات عن الصحابة والتابعين التي تؤيّد رأيه.
وكذلك ابن القيّم يقول بالنصّ [2] : (وكذلك صحّ عنه - أي عمر بن الخطّاب - أنّ نصرانيًا أسلمت امرأته، فقال عمر: إن أسلم فهي امرأته، وإن لم يسلم فرّق بينهما، فلم يسلم ففرّق بينهما، وكذلك قال لعبادة بن النعمان التغلبي وقد أسلمت امرأته: إمّا أن تُسلم وإلاّ نزعتها منك، فأبى، فنزعها منه) .
3 -وفي القصّة الأولى: ذكر الشيخ الجديع في تخيير عمر للمرأة النصّ التالي: ( .. إن شاءت فارقته، وإن شاءت قرّت عنده) . لكن ابن القيّم أورد نصًا آخر يقول: ( .. إن شاءت فارقته، وإن شاءت أقامت عليه) [3] .
وشرح عبارة"أقامت عليه"فقال: (ليس معناها أن تقيم تحته وهو نصراني، بل تنتظر وتتربّص، فمتى أسلم فهي امرأته ولو مكثت سنين) [4] .
وابن حزم أورد نفس النص ( .. إن شاءت فارقته، وإن شاءت أقامت عليه) [5] .
ومن الواضح أنّ عبارة (أقامت عليه) يمكن تفسيرها بالانتظار والمحافظة على عقد الزوجية، دون وطء بخلاف عبارة (قرّت عنده) التي تعني القرار في بيته كزوجة بكامل الحقوق والواجبات ومنها الوطء. فإذا أخذنا بالعبارة الأولى (أقامت عليه) وبتفسير ابن القيّم لها،
(1) 1 - في نفس الصفحة 314 - المحلّى - دار الآفاق الحديثة - بيروت.
(2) 2 - زاد المعاد لابن القيّم - الجزء الخامس - ص 139 - طبعة مؤسسة الرسالة - بيروت.
(3) 3 - زاد المعاد لابن القيّم - الجزء الخامس - ص 139 - طبعة مؤسسة الرسالة - بيروت.
(4) 1 - أحكام أهل الذمّة لابن القيّم - الجزء الأول - ص 320 - دار العلم للملايين - بيروت.
(5) 2 - المحلّى لابن حزم - الجزء السابع - ص 313 - دار الآفاق الحديثة - بيروت.