فهرس الكتاب
صلى الله عليه وسلم: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفر لكم) قال العلماء: معناه الغفران لهم في الآخرة , وإلا فإن توجه على أحد منهم حد أو غيره أقيم عليه في الدنيا. ونقل القاضي عياض الإجماع على إقامة الحد , وأقامه عمر على بعضهم. قال: وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مسطحا الحد وكان بدريا. قوله: (عن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد الغنوي والزبير بن العوام) , وفي الرواية السابقة: (المقداد) بدل (أبي مرثد) . ولا منافاة , بل بعث الأربعة عليا والزبير والمقداد وأبا مرثد. اهـ
وقَالَ الإمَامُ المناوي في فيض القدير: (إن الله اطلع على أهل بدر) الذين حضروا مع المصطفى صَلَّى الله عليه وَسَلَّم بقصد إعلاء كلمة الجبار، وهم ثلاثمائة وثلاثة أو أربعة عشر رجل، يعني نظر الله إليهم نظرةَ رحمةٍ وعطف، وقد ارتقوا إلى مقام يقتضي الإنعام عليهم بمغفرة ذنوبهم السابقة واللاحقة.
(فقَالَ) لهم (اعملوا مَا شئتم) أن تعملوا (فإني قد غفرت لكم) ذنوبكم أي سترتها فلا أؤاخذكم بها، لبذلكم مُهَجكم في الله ونصر دينه.
والمراد إظهار العناية بهم وإعلاء رتبتهم والتنويه بإكرامهم والإعلام بتشريفهم وإعظامهم، لا الترخيص لهم في كل فعلٍ كما يُقَالُ للمحب: افعل مَا شئت، أو هو على ظاهره والخطاب لقومٍ منهم على أنهم لا يُقَارِفُون بعد بدر ذنبًا، وإن قَارَفُوه لم يُصِرُوا بل يُوَفَّقُون لتوبةٍ نَصوح، فليس فيه تخييرهم فيما شاؤوا، وإلا لما كان أكابرهم بعد ذلك أشدَ خوفًا وحذرًا مما كانوا قبله.
وقَالَ القرطبي: هذا خطابُ إكرامٍ وتشريف تضمَن أن هؤلاء حصُلَت لهم حالةٌ غُفِرَت بها ذنوبهم السابقة، وتأهَلوا أن يُغْفَرَ لهم مَا يُستَأنَف من الذنوب اللاحقة، ولا يلزم من وجود الصلاحية للشيء وقوعه، فقد أظهر الله صدق رسوله صَلَّى الله عليه وَسَلَّم في كل مَا أخبر عنه بشيء من ذلك، فإنهم لم يزالوا على أعمال