فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 149

فيحتمل ألانه يريد بالآمر أحد المجتهدين منهم.

وحمله على القياس والاستنباط بعيد أيضًا، لأن قوله: أمرنا بكذا يفهم منه حقيقة الأمر والنهي لا خصوص الأمر باتباع القياس، وما قاله ابن الأثير في الصديق، فهو كما قال شيخنا وغيره مقبول، وإن تأمر عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل على جيش فيه الشيخنان، أرسل بهما النبي صلى الله عليه وسلم في صدد، وأمر عليه أبا عبيدة بن الجراح، فلما قدم بهم على عمر وصار الأمير، بل كان أبو عبيدة أمير سرية الخبط على ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار فيهم عمر، وأظن أبا بكر أيضًا.

وكذا تأمر أسامة بن زيد على جيش هما فيه، وأبو عبيدة وخلق من المهاجرين والأنصار، وتوفي صلى الله عليه وسلم قبل خروجه فأنفذه أبو بكر بعد أن استخلف إمتثالًا، لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقيل: أن أبا بكر سأل أسامة أن يأذن لعمر في الإقامة، فأذن له، وفي شرحها طول.

وبالجملة فقد ثبت أن كلا من أبي عبيدة وعمرو وأسامة تأمر عليهما، وصار ذلك أحد الأدلة في ولاية المفضول على الفاضل، أو بحضرته، فطروق الاحتمال فيه بعيد جدًا، وما قيل في بلال ليس بمتفق عليه، فلأن أبي شيبة، وابن عبد البر أنه أذن لأبي بكر مدة خلافته، ولم يؤذن لعمر، نعم هو مقتضى قول مالك لم يؤذن لغير النبي صلى الله عليه وسلم سوى مرة لعمر حين دخل الشام، فبكى الناس بكاءً شديدًا، ومن أدلة الأكثرين سوى ما تقدم ما رواه البخاري في صحيحه عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، أن الحجاج عام نزل بابن الزبير سأل عبد الله يعني ابن عمر رضي الله عنه الله عنهما عنه: كيف تصنع في الموقف يوم عرفة؟ فقال: سالم: إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة، فقال إبن

[ص 117]

عمر صدق، إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة.

قال الزهري: فقلت لسالم أفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: وهل متبعون في ذلك إلا سنته انتهى.

وكل سلف فيما إذا لم يضف السنة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلو أضافها كقول عمر للصبي بن معبد: هديت لسنة نبيك. للمقتضى كلام الجمهور السابق الدفع، بل أولى وابن حزم يخالف فيه كما تقدم، بل نقل أبو الحسين ابن القطان عن الشافعي أنه قال: قد يجوز أن يراد بذلك ما هو الحق من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

وجزم البلقيني في محاسنه بأنها على مراتب في احتمال الوقف قربًا وبعدًا فأرفعها، مثل قول ابن عباس: الله أكبر سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، ودونها قول عمرو بن العاص: لا تلبسوا علينا سنة نبينا، عدة أم الولد كذا، ودونها قول عمر لعقبة بن عامر: أصبت السنة: إذ الأول أبعد إحتمالًا، والثاني أقرب إحتمالًا، والثالث لا إضافة فيه انتهى.

وقال غيره في قول عمرو بن العاص: قال الدارقطني: الصواب فيه لا تلبسوا علينا وبيننا موقوف، فدل قوله هذا على أن الأول مرفوع، أما إذا صرح بالأمر كقوله: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، أو سمعته يأمر بكذا، فهو مرفوع بلا خلاف لانتفاء الاحتمال السابق. لكن حكى القاضي أبو الطيب الطبري وتلميذه ابن الصباغ في العدة عن داود الظاهري، وبعض المتكلمين إنه لا يكون حجة حتى ينقل لفظه لاختلاف الناس في صيغ الأمر والنهي فيحتمل أن يكون سمع صيغة ظنها أمرًا أو نهيًا، وليست كذلك في نفس الأمر.

وقال الشارح: إنه ضعيف مردود، ثم وجهه بما له وجه في الجملة ووجهه غيره، يجوز أن نحو هذا من الرواية بالمعنى، وهم ممن لا يجوزها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت