ما استدل به الفريق الثاني من أن التقوى مصطلح شرعي لا يتغير فلا يسلم لهم بذلك؛ لأن اللفظ القرآني قد يطلق ويراد به المعنى اللغوي لا الشرعي كلفظ الصلاة، وأيضًا فإن لفظ التقوى وإن كان من المصطلحات الشرعية غير أن العلماء لم يتفقوا في حده بلفظ معين؛ ومرجع هذا الاختلاف المتعلق بحد التقوى شرعًا يرجع إلى اختلاف متعلقات التقوى معنىً، وعليه فإن تقدير معنى التقوى يختلف باختلاف متعلقاتها، ويفهم هذا الاختلاف من دلالة السياق.
وأما قولهم التكرار فائدته التوكيد للزوم التقوى، وغرض هذا التوكيد تنبيه المخاطب على لزومها للأهمية، ولكي يستقر المعنى في نفس السامع فيلزمه، فهذا المعنى حاصل من التأسيس؛ لأن الأمر الإلهي يلزم المكلف من غير توكيد، ويترتب عليه أيضًا الوعد والوعيد وهذا يدفع الناس إلى لزوم الأوامر وترك النواهي، وبهذا التقدير يتأكد لزوم التقوى من جهتين:
إحداهما: ما يقتضيه الأمر الإلهي من اللزوم.
ثانيهما: ما يترتب على مخالفة الأمر من العقاب الشديد.
كما أن أهمية التقوى حاصلة بالتكرار مع تغير المعنى، وبناءً على هذا فلا معنى من نفي حمل لفظ التقوى على معاني متغايرة إلا مجرد التحكم في النص.
وأما الفريق الأول وهم القائلون بالتأسيس فاستدلالهم بالتعاطف المقتضي للمغايرة مع استدلالهم بمتعلقات التقوى، وأن معنى التقوى يفهم بحسب متعلقاتها هو استدلال سديد وسالم عن المعارض؛ لأن التقوى لها معان عدة فيؤخذ منها ما يتناسب مع السياق ومقام الخطاب، وهو الذي يراه الباحث؛ لاحتمال لفظ التقوى لمعانٍ عدة، والأصل في الكلام الإفادة لا الإعادة، والله الموفق.
المثال الثالث: