فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 352

الجملتين غير متماثل، فالجملة الثانية فيها زيادة وهي التوفية التي لم تعلم من الجملة الأولى.

كما أن وجود جملة فاصلة بينهما، وهي قوله: {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} لا شك يُضعِف القول بالتوكيد؛ لأن الانتقال إلى موضوع آخر يدل على استيفاء السابق فيكون من باب الأولى أن الذي بعده مغاير للذي قبله.

وأما استدلال من قال بالتوكيد أن التوكيد فيه حث على الإنفاق، فالجواب أن الحمل على التأسيس فيه أن الأجر يكون في الدارين وهذا فيه حث للإنفاق أكثر من الذي قبله؛ لأن النفس تميل إلى الجزاء العاجل أكثر، وأيضًا تعلق أملًا بالمستقبل من خلال الوعد بالجزاء في الآخرة، وكلا المعنيين يقتضي الحث.

وأما أن التكرار يكون لطول الفصل فلا يصح؛ لأن الجملة الأولى وهي: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ} قد أتى جوابها وهو: {فَلِأَنْفُسِكُمْ} فهي جملة مستقلة عن الجملة الأخرى، كما أن إمكانية الحمل على معنيين متغايرين للجملتين هو الأولى من الحمل على معنى واحد.

وعليه فالذي يراه الباحث أن حمل جملة: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} على التأسيس هو الراجح جريًا على الأصل، والفصل الواقع بين الجملتين يضعف القول بالتأكيد، ودلالة السياق على وجود جزاء عاجل بعد الإنفاق كما قال تعالى: {فَلِأَنْفُسِكُمْ} ، وجزاء آخر يوفى بعد ذلك كما قال تعالى: {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} يدل على وجود جزاءين متغايرين، فحمل الجملة الأولى وهي: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ} على الجزاء في الدنيا، أي: لكم نفعه في الدنيا، وقد ورد ما يؤيد ذلك عنه - صلى الله عليه وسلم: [صنائع المعروف تقي مصارع السوء] [1] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: [من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له

(1) - رواه الطبراني في"الكبير"من حديث أبي أمامة 8/ 261، وحسن إسناده المنذري والهيثمي، ورواه في"الأوسط"6/ 163، والبيهقي في شعب الإيمان 3/ 244.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت