والذي يراه الباحث هو الحمل على التأسيس، لضعف أدلة القائلين بالتوكيد؛ لأن الأصل في الكلام حمله على التأسيس، وهو الذي لا نتزحزح عنه حتى يثبت لنا خلافه، فيحمل الاستفهام في كل موضع على ما تقدم من العذاب الذي حل بتلك الأمة فلا يتكرر منها لفظ، والله الموفق.
المثال الثاني:
قال تعالى: ... {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [1] .
المعنى العام للأية:
«قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} : فبأي نعم ربكما معشر الجن والإنس من هذه النعم تكذبان» [2] .
أقوال المفسرين في تكرار الآية:
اختلف المفسرون في تكرار قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} هل يفيد التأسيس أم التوكيد؟ على قولين:
القول الأول: القائلون بالتأسيس، وأدلتهم:
ذهب القائلون بالتأسيس إلى أن كل موضع ذكر فيه قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} يرجع إلى معنى الآية التي قبله، فتحمل الآلاء في كل موضع على ما تقدم قبل لفظ ذلك التكذيب فلا يتكرر منها لفظ، وممن قال بهذا القول: ابن جرير الطبري [3] ، والنيسابوري [4] ، والبقاعي [5] ، والشربيني [6] ، والألوسي [7] ، وابن عاشور [8]
(1) - الرحمن: 13.
(2) - جامع البيان: 22/ 22.
(3) - المصدر نفسه: 22/ 23.
(4) - غرائب القرآن ورغائب الفرقان 1/ 435.
(5) - نظم الدرر 7/ 378.
(6) - السراج المنير 4/ 108.
(7) - روح المعاني 27/ 97.
(8) - التحرير والتنوير 27/ 230.