التكرار وهو توكيد للجملة السابقة، وإن أريد به المجاز، أي: أن ما لا طاقة لنا به هو الأمر المستصعب، وإن كانت النفس تطيقه فتكون الجملة تأسيسًا لتغاير المعنى، وقد يراد به الحقيقة، ولكن لم يكن مم كُلف به الذين من قبلنا، فيفيد التأسيس.
وأما استدلال من قالوا بأن المقصود من الدعاءين في الجملتين إزالة المشقة في التكليف أو في الابتلاء، أو العقوبات، وهو طلب عين التيسير في الدين، فكان حملهما على معنى واحد أولى، ففيه نظر؛ لأن الدعاء برفع الإصر كان مقصودًا به الذي كان في الأمم السابقة فقط، والجملة الثانية زاد فيها الطلب برفع كل ما فيه مشقة سواء ما سبق في الأمم السابقة، أو ما لم يسبق فكان الطلب أعم من الذي قبله، فحصلت الزيادة في الجملة الثانية.
والذي يراه الباحث أن الأصل هو الحمل على الحقيقة، فقوله: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} دعاء برفع المشقة من التكاليف والعقوبات التي حلت بالأمم السابقة،
أو من التكاليف التي لا نطيقها ولو لم يكلف بها من قبلنا، والمقصود في الدنيا، وهذا ما يدل عليه السياق، فإذا كان ذلك كذلك فحمل جملة: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} على كل المعاني السابقة هو الأولى؛ لأن طلب رفع ما لا طاقة لنا به يفيد العموم، والعام الوارد في هذه الجملة بعد الخاص الوارد في جملة رفع الإصر يدل على التأسيس، وهو قول جمهور المفسرين كما سبق بيانه قريبًا في قول القائلين بالتأسيس، والله الموفق.
المثال الثاني:
قال تعالى: ... {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ} [1] .
(1) - يونس: 24.