فهرس الكتاب
«يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم - صلى الله عليه وسلم - أنه حق من عند الله {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} يعني بـ"الطيبات"، اللذيذات التي تشتهيها النفوس، وتميل إليها القلوب، فتمنعوها إيّاها، كالذي فعله القسِّيسون والرُّهبان، فحرَّموا على أنفسِهم النساءَ والمطاعمَ الطيَّبة، والمشاربَ اللذيذة، وحبسوا أنفسهم في الصوامع، {وَلَا تَعْتَدُوا} حدَّ الله الذي حدَّ لكم فيما أحلَّ لكم، وحرم عليكم، فتجاوزوا حدَّه الذي حدَّه، فإن الله لا يحبُّ من اعتدى حدَّه الذي حدّه لخلقه» [1] .
أقوال المفسرين:
اختلف المفسرون في جملة: {وَلَا تَعْتَدُوا} هل هي جملة تأسيسية أم توكيدية لجملة: {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} إلى قولين:
القول الأول: القائلون بالتأسيس، وأدلتهم:
ذهب جمهور المفسرين إلى أن معنى جملة: لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ
لا تمنعوا أنفسكم من اللذيذات التي تشتهيها النفوس، وتميل إليها القلوب وتشمل كل ما أحله الله من المطعم، والمشرب، والنساء، والمسكن، ومعنى جملة: وَلَا تَعْتَدُوا نهي عن الاعتداء يدخل فيه جميع أنواع الاعتداء من تحليل الحرام أو تحريم الحلال، فيكون الاعتداء أعم من تحريم الطيبات، فأتت بمعنى جديد، فهي جملة تأسيسية، وممن قال بهذا القول: ابن جرير الطبري [2] ، والزمخشري [3] ، والقرطبي [4] ، وأبو حيان [5] ، وابن عادل [6] ، والآلوسي [7] ، وابن عاشور [8] ، وحكاه ابن عطية بصيغة التمريض [9] .
(1) - جامع البيان 10/ 513.
(2) - جامع البيان 8/ 606.
(3) - الكشاف 1/ 705.
(4) - الجامع لأحكام القرآن 6/ 263.
(5) - البحر المحيط 4/ 11.
(6) - اللباب في علوم الكتاب 7/ 488.
(7) - روح المعاني 7/ 9.
(8) - التحرير والتنوير 5/ 192.
(9) - المحرر الوجيز 2/ 192.