فهرس الكتاب
فمن قال أن جملة: {وَلَا تَعْتَدُوا} جملة توكيدية لجملة: {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} ، استدل بسبب النزول [1] على قصر معنى الاعتداء على تحريم الطيبات.
والجواب: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إذا لم يكن معارضًا لأصل صحيح يقتضي قصره على سببه.
وأما استدلالهم بأن تحريم ما أحل الله هو اعتداء، فأتى النهي بعدم الاعتداء تأكيدًا.
فالجواب: نعم، ولكن هذا من باب قصر العام على بعض أفراده، أو من باب التنصيص على بعض أفراد العام، والتنصيص لا يقتضي التخصيص، ولهذا لم تقصر الشريعة الاعتداء على تحريم الحلال فقط، بل منه تحليل ما حرم الله، والغلو في المباحات، أو الزيادة في الواجبات التعبدية، ونحو هذا مما لا يخفى على من له أدنى نظر في نصوص الكتاب والسنة.
وعليه فالذي يترجح للباحث هو القول بأن جملة: {وَلَا تَعْتَدُوا} تأسيسية بدلالة
الأصل، وهو الحمل على التغاير، وبدلالة حذف معمول {وَلَا تَعْتَدُوا} الذي أفاد العموم، كما أن التعاطف يدل على التغاير في المعنى، ولا يخفى أن التعميم بعد التخصيص يدل على التأسيس، والله الموفق.
المثال الرابع:
قال تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [2] .
(1) - وسبب النزول أن جماعة من أًصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم على، وعثمان بن مظعون، وابن مسعود، وابن عمر، هموا بصيام الدهر، وقيام الليل، واعتزال النساء، وجَبِّ أنفسهم، وتحريم الطيبات من الطعام عليهم، فأنزل الله الآية، انظر: النكت والعيون للماوردي 1/ 375.
(2) - الأنعام: 164.