المناقشة والترجيح:
اختلفوا في عود الإشارة في قوله: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا .. } إلى أي الجمل يعود على قولين:
1 -يعود اسم الإشارة إلى المعاصي السابقة التي فعلوها من عدم الصبر والتعنت وسوء التدبير.
2 -يعود إلى قوله: { ? ?} .
فإن كانت الإشارة تعود إلى المعاصي السابقة من عدم الصبر والتعنت وسوء التدبير، فجملة: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا} توكيدية، فيكون المعنى: ما أصابهم من الذلة والغضب والمسكنة بسبب معاصيهم.
وإن عادت الإشارة إلى قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} فجملة: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا} تأسيسية؛ ويكون المعنى: إن الذي حملهم على جحود آيات الله، وقتلهم الأنبياء إنما هو تقدم عصيانهم واعتدائهم.
والذي يظهر للباحث أن قوله تعالى: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} جملة تأسيسية، ولا تصح أن تكون توكيدية؛ لأن التوكيد يجب أن يكون بشيء أقوى من المؤكد والعصيان أقل حالًا من الكفر فلم يجز تأكيد الكفر بالعصيان، والحمل على التأسيس أولى؛ لأنه الأصل في كلام الشارع، والله الموفق.
المثال الثاني:
قال تعالى: ... {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [1] .
(1) - البقرة: 69 - 71.