فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 352

بعدها، وعلى هذا القول يكون قوله: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} تكرارًا لغرض التوكيد، والأول أولى حتى يكون كل واحد من الجوابين اللذين أمر الله سبحانه رسوله بأن يجيب عليهم بهما مفيدًًا لفائدة غير فائدة الآخر، والتأسيس خير من التأكيد» [1] .

وعليه فالذي يراه الباحث هو حمل معنى الجملتين على التغاير، فتكون جملة: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} تأسيسية، لتعدد الردود على فرح المنافقين فيكبتوا، كما أن تغاير المباني يدل في الأصل على اختلاف المعاني، فنحمل جملة: {لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} على ما كتب الله لنا في اللوح المحفوظ من خير

أو شرٍ، ونحمل جملة: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} على أن تكون الحسنى الأولى: النصر والغنيمة، والحسنى الثانية: الشهادة، والجنة، وبهذا وقع الإثراء للألفاظ، وكبت المنافقون، وشحذت همة المؤمنين، وطرد عنهم اليأس، بأن ما يصيبهم هو بقدر الله، وأنهم موعودون بالحسنى في الدنيا وفي الآخرة، سواء على حالة النصر أو الشهادة في سبيل الله تعالى، والله الموفق.

المثال الرابع:

قال تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ [2] بِغُلَامٍ حَلِيمٍ [3] ... فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ .... كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [4] .

(1) - فتح القدير 2/ 537، بتصرف يسير.

(2) - البشارة: الاخبار بما يسر به المخبر إذا كان سابقا لكل خبر سواه. انظر: الفروق اللغوية ص 100.

(3) - الحليم: والحِلْمُ بالكسر الأَناةُ والعقل وجمعه أَحْلام، انظر: لسان العرب لابن منظور 12/ 145.

(4) - الصافات: 99 - 112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت