المعنى العام للآية:
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} أي: يا أيها الذين صدَّقوا الله وصدَّقوا رسوله، {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} : إذا سرتم مسيرًا لله في جهاد أعدائكم {فَتَبَيَّنُوا} فتأنَّوا في قتل من أشكل عليكم أمره، فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ} أي: ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم، مظهرًا لكم أنه من أهل ملتكم ودَعوتكم {لَسْتَ مُؤْمِنًا} فتقتلوه ابتغاء {عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: طلبَ متاعِ الحياة الدنيا، {فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} من رزقه وفواضل نِعَمه، {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ} أي: كما كان هذا الذي ألقى إليكم السلم فقلتم له {لَسْتَ مُؤْمِنًا} فقتلتموه، وقيل: كنتم كفارًا مثلهم {فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} فتفضل الله عليكم بإعزاز دينه بأنصاره وكثرة اتباعه، {فَتَبَيَّنُوا} أي: فلا تعجلوا بقتل من أردتم قتلَه ممن التبس عليكم أمرُ إسلامه، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} أي: ذا خبرة، وعلم بقتلكم من تقتلون، وكَفِّكم عمن تكفُّون عن قتله من أعداء الله وأعدائكم [1] .
أقوال المفسرين:
اختلف المفسرون في جملة: {فَتَبَيَّنُوا} الثانية هل هي جملة تأسيسية، أم توكيدية لجملة: {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} إلى قولين:
القول الأول: القائلون بالتأسيس، وأدلتهم:
ذهب بعض أهل التفسير إلى أن معنى قوله تعالى: {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} في أمر من تقتلونه ممن أشكل عليكم أمره، ومعنى جملة: {فَتَبَيَّنُوا} ... الثانية، أي: فتبينوا نعمة الله أو تثبَّتوا فيها، فتغاير المعنى فأفاد التأسيس، وممن قال بهذا القول: السمين الحلبي [2] ، ورجحه ابن عادل [3] ،، واحتمله الآلوسي [4] .
ودليلهم في ذلك:
1 -الأصل هو التأسيس لا التوكيد.
2 -اختلاف المتعلق، والسياق الذي ورد فيه التبين، فالأوّل: فتبيَّنوا في أمر مَن تقتلونه، والثَّاني: فتبينوا نعمة الله عليكم من قبل.
القول الثاني: القائلون بالتوكيد، وأدلتهم:
ذهب جمهور المفسرين إلى أن معنى جملة: {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} أي: إذا سرتم مسيرًا في جهاد أعدائكم فتأنَّوا في قتل من أشكل عليكم أمره، ومعنى جملة: {فَتَبَيَّنُوا} الثانية فلا تعجلوا بقتل من أردتم قتلَه ممن أشكل عليكم أمره، فتكرر المعنى في الجملتين فأفادت الثانية توكيدًا للأولى، ودلالة السياق تدعم هذا القول، حيث ختم الآية بما يجمع الوعد والوعيد تأكيدًا للتبيُّن، وعدم العجلة، فقال: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} وممن قال بهذا القول: مقاتل [5] ، وابن جرير الطبري [6] ، والبغوي [7] ، وابن عطية [8] ، وابن الجوزي [9] ، والقرطبي [10] ، والبيضاوي [11] ، والنسفي [12] ، والخازن [13] ،
(1) - جامع البيان 9/ 70، بتصرف.
(2) - الدر المصون 1/ 1192.
(3) - اللباب في علوم الكتاب 6/ 580.
(4) - روح المعاني 3/ 115.
(5) - تفسير مقاتل 1/ 250.
(6) - جامع البيان 9/ 71.
(7) - معالم التنزيل 2/ 268.
(8) - المحرر الوجيز 2/ 177.
(9) - زاد المسير 2/ 86.
(10) - الجامع لأحكام القرآن 5/ 341.
(11) - أنوار التنزيل 2/ 237.
(12) - مدارك التنزيل 1/ 247.
(13) - لباب التأويل 1/ 414.