التنزيل، أو في خبرٍ عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - به منقولٍ، أو بحجّة موجودة في المعقول، كان واضحًا فساد قول من زعم أنّ تأويلَهُ: ربُّ عالَمِ الدنيا دُون عالَمِ الآخرة، وأنّ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} استحقَّ الوصلَ به ليُعلَم أنه في الآخرة من مِلْكِهم ورُبُوبيتهم بمثل الذي كان عليه في الدنيا» [1] .
وعليه: فالرب بمعنى الملك، والعالمين تشمل عوالم الدنيا والآخرة؛ ولأن {يَوْمِ الدِّينِ} جزء من العالمين، فيكون قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} تكرار للمعنى السابق مفيدًا لتوكيد الجملة السابقة.
ورجح بعضهم أن كلمة الرب تحمل معنًا زائدًا على الملك أو المالك وليس من باب التكرار، كما قصروا كونه {رَبِّ الْعَالَمِينَ} أنه ملك عوالم الدنيا فقط، وجملة {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} أنه ملك عالم الآخرة وهؤلاء هم القائلون بالتأسيس.
والجواب هو أنه لا إشكال في أن تَحْمِل الجملة الأولى المعنى الزائد ما دام معنى الثانية كله داخلًا في الأولى، وعليه فلا تخرج جملة: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} من كونها توكيدية لجملة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
وأما كلام ابن عاشور فقد بين طريقة مَنْ حمل جملة: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} على التوكيد، ومن حملها على التأسيس فقال: «لو حمل - كلمة الرب - على معنى المالك لكان قوله تعالى بعد ذلك {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} تأكيد لقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، والتأكيد خلاف الأصل ولا داعي إليه هنا إلا أن يجاب بأن العالمين لا يشمل إلا عوالم الدنيا فيحتاج إلى بيان أنه ملك الآخرة كما أنه ملك الدنيا فتكون جملة: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} جملة تأسيسية» [2] .
(1) - جامع البيان 1/ 151، 152.
(2) - التحرير والتنوير 1/ 95.