المخاطبين على إتباع الرسل، وقوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} ، أوفى بتأدية ذلك؛ لأن معناه لا تخسرون معهم شيئًا من دنياكم، وتربحون صحة دينكم فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة.
الثالث: أن تكون الثانية بيانا للأولى، وذلك بأن تنزل منها منزلة عطف البيان من متبوعه في إفادة الإيضاح، والمقتضى للتبيين أن يكون في الأولى نوع خفاء مع اقتضاء المقام إزالته، كقوله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} [1] ، فصل جملة: {قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ .. } عما قبلها لكونها تفسيرًا له» [2] .
الصورة الثانية: أن يكون بين الجملتين كمال الانقطاع:
«وهو أن يكون بين جملتين متتاليتين تباين تام فيجب عند ذلك فصل الجملة التالية عن الجملة السابقة- أي: لا يكون بين الجملتين حرف عطف- بشرط أن لا يؤدي هذا الفصل إلى إيهام معنى غير مقصود، وهذه الصورة تظهر في ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن تختلف الجملتان السابقة، والتالية خبرًا وإنشاءً في لفظيهما وفي دلالتيهما، كقول الله تعالى: {وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [3] ، فجملة {وَأَقْسِطُوا} إنشائية، مصدرة بفعل أمر، والجملة التالية: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} خبرية في لفظها وفي معناها، فوجب الفصل بين الجملتين لكمال الانقطاع بينهما؛ لأن الأولى طلبية تفيد التجدد والحدوث، والثانية اسمية تفيد الثبوت والاستمرار، وبين التجدد والثبوت تباين كبير يوجب الفصل» [4] ، ومثله قوله تعالى: وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى
(1) - طه:120.
(2) - الإيضاح في علوم البلاغة للقزويني ص 151، والبلاغة العربية وعلومها للميداني 1/ 463، بتصرف.
(3) - الحجرات: 49.
(4) - البلاغة العربية وعلومها للميداني 1/ 445، بتصرف.