فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 352

كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [1] ، فجملة: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} ، وجملة: {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} جملتان خبريتان في اللفظ والدلالة فوجب الوصل بينهما، ولكن جملة: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} جملة إنشائية لفظًا، ودلالةً؛ فوجب الفصل بين الجملتين لكمال الانقطاع بينهما؛ لأن الأولى طلبية تفيد التجدد، والحدوث، والثانية اسمية تفيد الثبوت والاستمرار.

الوجه الثاني: أن تختلف الجملتان السابقة، والتالية خبرًا وإنشاءً في دلالتيهما، ولو لم تختلفا في لفظيهما، كأن تكون الأولى خبرًا في لفظها ومعناها، والثانية خبرًا في لفظها إنشاء في معناها، كقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [2] ، فالجملة الأولى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} خبرية لفظًا ومعنى، والجملة الثانية: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} خبرية لفظًا إنشائية طلبية معنىً، والتقدير اتبعوهم بإحسان.

الوجه الثالث: أن لا يكون بين الجملتين مناسبة ما في المعنى، ولا يوجد ارتباط مابين المسند إليه فيهما، ولا بين المسند، ومثاله قوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [3] ، فجملة: {تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} ، لا يوجد بينها ارتباط وبين الجملة السابقة: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} ، فالمانع من العطف في هذا الموضع (أمر ذاتي) لا يمكن دفعه أصلا وهو التباين بين الجملتين، ولهذا وجب الفصل، وترك العطف؛ لأن العطف يكون للربط، ومثل ذلك: أن تُعدد حكمًا في موضوعات مختلفة لا ترابط بينها، كأن تقول: (رأس الحكمة مخافة الله- لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين - ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس) » [4] .

(1) - البقرة: 57.

(2) - التوبة: 100.

(3) - النحل: 3.

(4) - البلاغة العربية وعلومها للميداني 1/ 447.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت