فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 352

بالثاني أن يتقوا الله في جميع ما كلفوا، ولذلك قال بعده {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} » [1] .

وكلام القاضي يصلح مثالًا لما تكرر بلفظه دون معناه، لأنه بيَّن أن تقوى الله في الأمر الأول: حفظ ما فعلوا من الطاعات، والمراد بالثاني: أن يتقوا الله في جميع ما كلفوا به، ولكن المثال المناسب لهذه الصورة هو قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [2] ، فالآية قد ذكرت جملة: {فَتَبَيَّنُوا} [3] مرتين بنفس اللفظ والمعنى، وتكراره كما قال البيضاوي: «تأكيد لتعظيم الأمر وترتيب الحكم على ما ذكر من حالهم» [4] ، وبنحو هذا قال كثير من المفسرين [5] ، وقد حذف المعمول ليدل على العموم في التَّبَين.

الصورة الثانية: تكرار في اللفظ دون المعنى:

ومثال ذلك قوله تعالى: وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ

(1) - بلاغة القرآن في آثار القاضي عبد الجبار وآثره في الدراسات البلاغية، د/ عبد الفتاح لاشين ص 202، مطبعة دار القرآن-ميدان الأزهر الشريف، دار الفكر العربي.

(2) - النساء:94.

(3) - التبين: شدة طلب البيان، أي التأمل القوي حسبما تقتضيه صيغة التفعل، انظر: لسان العرب 13/ 63.

(4) - أنوار التنزيل وأسرار التأويل، أبو الخير عبد الله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي 2/ 237، دار الفكر- بيروت (بدون) ، والتحرير والتنوير لابن عاشور 4/ 225.

(5) - منهم ابن كثير في تفسيره 2/ 385، وابن عاشور في التحرير والتنوير 4/ 225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت