وقال الزمخشري [1] : «قوله تعالى: {ہ} أولًا حين تقبلك من أمك ورباك واختصك بالكرامة السنية، {ہ} مما يستقذر من الأفعال، {ھ} آخرًا {ھ ھ ھ} بأن وهب لك عيسى من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء» [2] .
وقال الإمام الرازي [3] : «اعلم أن المذكور في هذه الآية أولًا هو الاصطفاء، وثانيًا التطهير، وثالثًا الاصطفاء على نساء العالمين، ولا يجوز أن يكون الاصطفاء أولًا هو الاصطفاء الثاني لما أن التصريح بالتكرير غير لائق، فلا بد من صرف الاصطفاء الأول إلى ما اتفق لها من الأمور الحسنة في أول عمرها، والاصطفاء الثاني إلى ما اتفق لها في آخر عمرها .. ، من أنه تعالى وهب لها عيسى عليه السلام من غير أب، وأنطق عيسى حال انفصاله منها حتى شهد بما يدل على براءتها عن التهمة، وجعلها وابنها آية للعالمين فهذا هو المراد» [4] .
ووفقًا لقاعدة التأسيس فيرى الباحث أن حمل اللفظين على التغاير في المعنى أولى من الحمل على إعادة المعنى الأول للاصطفاء، وعليه فجملة: {اصْطَفَاكِ} الأولى
(1) - هو محمود بن عمر بن محمد بن عمر أبو القاسم الزمخشري الخوارزمي النحوي اللغوي المتكلم المعتزلي المفسر، ولد في شهر رجب سنة سبع وستين وأربعمائة بزمخشر قرية من قرى خوارزم، وقدم بغداد وسمع من أبي الخطاب وغيره وحدث، وله تصانيف منها الكشاف في التفسير والفائق في غريب الحديث ومات ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، انظر: طبقات المفسرين للأدنروي 1/ 172، وطبقات المفسرين للسيوطي 1/ 104.
(2) - تفسير الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري 1/ 389، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، (بدون) .
(3) - هو محمد بن عمر بن الحسين القرشي فخر الدين الرازي، الأصولي المفسر كبير الأذكياء والحكماء والمصنفين، ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة، واشتغل على أبيه الإمام ضياء الدين خطيب الري، وقد بدت منه في مؤلفاته بلايا وعظائم والله يعفو عنه، فإنه توفي على طريقة حميدة، ومات بهراة يوم عيد الفطر سنة ست وستمائة، انظر: وفيات الاعيان 1/ 486، سير أعلام النبلاء 21/ 500.
(4) - مفاتيح الغيب، فخر الدين محمد بن عمر التميمي الرازي 8/ 38، دار الكتب العلمية - بيروت - ط/الأولى 1421 هـ - 2000 م.