فهرس الكتاب
تر الله تعالى قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله عليها، ولا أنزل - من الآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد، والعتاب البليغ والزجر العنيف، واستعظام ما ركب من ذلك واستفظاع ما أقدم عليه - ما أنزل فيه على طرق مختلفة، وأساليب مفتنة، كل واحد منها كافٍ في بابه.
ولو لم ينزل إلا هذه الثلاث لكفى بها؛ حيث جعل القَذَفَة معلونين في الدارين جميعًا، وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا، وأنه يوفيهم جزاءهم الحق الواجب الذين هم أهله حتى يعلموا عند ذلك «أن الله تعالى هو الحق المبين» .
فأوجز في ذلك وأشبع وفصل وأجمل، وأكد وكرر، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عبدة الأوثان إلا ما هو دونه في الفظاعة وما ذاك إلا لأمر .. ؟
-فما هذا الأمر؟
قال: وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والتنبيه على إنافة ... محل سيد ولد آدم، وخير الأولين والآخرين، وحجة الله على العالمين، ومن أراد أن يحقق عظمة شأنه - صلى الله عليه وسلم - وتقدم قدمه وإحرازه قصب السبق دون كل سابق فليتلق ذلك من آيات الإفك، وليتأمل كيف غضب الله في حرمته، وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه» [1] .
(1) «الكشاف» (3/ 228) .