عنهم فإن من طبعها الهرب ممن طلبها، والطلب لمن هرب منها.
وقال بعضهم ـ الدنيا مثل إناء مملوء عسلا رأته الذباب فأقبلت نحوه، فبعضها قعد على حافة الإناء، وجعل يتناول من العسل، حتى أخذ حاجته وطار، وبعضها حمله الشره إلى أن رمى بنفسه في لجة الإناء ووسطه، فلم يدعه انغماسه فيه أن يهنأ إلا قليلا حتى هلك في وسطه، إن هذه الدنيا خضرة حلوة، تميل النفس إليها، والجاهل بعاقبتها يتنافس في تحصيلها غافلا عن آخرته، ناسيا، أو متجاهلا أن هذه الدنيا فانية زائلة، مثلها مثل طعام ابن آدم الذين أحسن صنعه، وكثرت ألوانه وأصنافه، وهو مع طيبه ونعومته، قد استحال إلى الغائط والبول، وهكذا الدنيا.
واعلم يا أخي المسلم أن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعمل فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل. وعبد رزقه الله تعالى ـ علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما، يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعمل لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو