الصفا والمروة، فاجتزءوا به عن الحج فأطاعوه، ثم قال بنو صداء: أما والله لنتخذن حرمًا مثل حرم مكة، لا يقتل صيده، ولا يعضد شجره، ولا يهاج عائذه، فقام بنو مرة بن عوف وتولوا فعل ذلك وعينوا رباح بن ظالم قائما على أمر الحرم وبناء حائطه وتعاونوا على إنجازه واختاروا لإلهتهم شعبًا اسمه سقام في وادي حراض شرق مكة، وكانوا مقيمين عند ينبوع ماء لهم يقال له بُسّ، فسموا بيت العزى باسم ذلك المكان، وعكفوا يعبدونها ويقيمون شعائرها، فلما تناهى الخبر إلى مسمع زهير بن جناب الكلبي قال: والله لا يكون ذلك وأنا حي، ولا أخلي غطفان تتخذ حرمًا أبدا، ثم سار في قومه حتى غزا غطفان وتمكن منها، واستولى على الحرم، وقطع رقبة أسير من غطفان به ليخفر ذمة الحرم ويريق به الدم فلا يعود طاهرا، ثم إنه هدم البُسّ، وكان هذا هو الهدم الأول لبيت العزى، ثم أقاموا لها بناءا آخرا غير الذي هدم، وكانت قريش تعظم العزى وتخصها بالزيارة والهدية دون غيرها من الآلهة، وكانوا يضعون الهدايا في حفرة يسمونها الغبغب أمام تمثال العزى في معبدها، وكان للعزى أيضا منحرا داخل البُسّ تنحر عليه القرابين، وكانت قريش إذا فرغت من حجها لا يحلون حتى يأتون العزى ويطوفون بها ويعكفون عندها يوما كاملا، وقد عرف عبادة العزى أيضا بعض الشعوب من اليمانيين وكانوا يسمونها عزيان، وكان الأنباط وآل لخم ملوك الحيرة يعبدونها أيضا، إلا أن عبادة آل لخم للعزى كانت مختلفة ومتطرفة بعض الشيء، فقد كانوا يتقربون إليها بالذبائح البشرية، فيقال أن المنذر ملك الحيرة قد تقرب للعزى بذبح ابن الملك الغساني الحارث، وقد ورد في تواريخ السريان أن المنذر بن ماء السماء قد ضحى بأربعمائة راهبة مسيحية للعزى، وذكر إسحاق الأنطاكي أن العرب كانوا يقدمون الأولاد والبنات قرابينً للعزى فينحرونهم لها، وذُكِرَ أيضا أن في معركة أحد التي قامت بين قريش والمسلمين، حملت قريش آلهتها معهم لحمايتهم ونصرهم وكان ممن حملوا من آلهتهم اللات والعزى، فلما انتصر القرشيون في المعركة صاح أبو سفيان قائلا: أُعْلُ هُبَل (أي علا دينك) فقال المسلمون: الله أعلى وأَجَلّ، فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال الرسول: ألا تجيبونه؟ فقال المسلمون: يا رسول الله وما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم، وقد كانوا يحلفون بالعزى أيضا وغالبا ما تكون معطوفة على اللات فتراهم يقولون: واللات والعزى، وكانوا أيضا إذا أرادوا القيام بأمر والتبس عليهم قاموا إلى العزى ليستشيرونها في ذلك الأمر وكانوا يذهبون