فكلاهما انطلاقٌ من عالم الضرورة، وكلاهما شوقٌ مجنّحٌ لعالم الكمال، وهما يتآلفان ويلتقيان معًا في أعماق النفس البشرية، والحديث عن الجمال يقود الذهن إلى الزينة التي وردت في مواضع عدة في الكتاب الكريم (قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) الأعراف 32، وقوله تعالى (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازّينت) والزينة جمالٌ، والجمالُ عنصرٌ جوهريٌ في بناء الكون، وقد وردَ في الأثر (إن الله جميلٌ يحب الجمال) ، والنفسُ الإنسانيةُ التي تسعى إلى الإيمان الكامل، تعيش الجمال وتتملاّه، وترى فيه صفةً جوهريةً، تنطلق منها إلى آفاق السمو والكمال البشري، وفي قوله تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح) ، والمصابيح هي النجوم، والنجوم زينةٌ ونورٌ، والنورُ أيضًا ضربٌ من ضروب اللونِ، والزينةُ حليةٌ ماديةٌ ولفظيةٌ، فيها جمالٌ متجددٌ، تتعدد ألوانه وأوقاته ويختلف من ليل إلى ليل، ومن فجرٍ إلى مساء، من أغراضها أن تجذب الإنسان إلى إمعان الفكر، والنظر في دقيق صنع الله وعجيب خلقه وروعة إبداعه في ألوان الجمال، وكذلك الأمر بالنسبة للآيات التي وصفت وجوه الكفار بالسواد، وعيونهم بالزرقة، فإننا نجد اللون قد أضحى وسيلةً مؤثرةً تأثيرًا معنويًا نفسيًا، لتقدم صورةً عن فئةٍ لم تكن تبصر جمال الله في الكون والخلق، فكانت الصورة الحزينةُ مساويةً في التأثير لتلك الصورة المفرحة المتألقة التي وصف الله بها في الآية نفسها وجوه المؤمنين بالبياض، إن وظيفة اللون الجمالية والتزيينية، عملت على توضيح الصورة وإبراز الفكرة، وتعميق المعنى وبلاغة التعبير، والتأثير في التشويق أو التنفير، وفي الترغيب والترهيب، وهي بذلك توقظ القلب، وتنبه الحواس، وتثير الشهية للتذوق، بما ترسمه من تنميقٍ وتنسيقٍ وتصويرٍ وتدريجٍ في الظلال والإيحاءات، حيث تحقق عوالم فريدةً ومتكاملةً فيها البلاغة والإعجاز، ومنها تؤخذ العبر 0
قال الشيخ أبو إسلام أحمد بن علي في بحثه دلالات الألوان: اللون الأصفر هو أول الألوان ذكرًا في القرآن الكريم، وقال خالد المرضي في مقال له: الأصفر لونُ الذهب الإبريز، ونور الشمس، يتجلى واضحًا عند الغروب في السماء والآفاق، وهو لون النار والزرع اليابس والناضج، يتميز بخصائصه