أحدها: أن السؤال كان عن نزول سورة كاملة، فبين أن سورة المدثر نزلت بكمالها قبل نزول تمام سورة {اقْرَأْ} فإنها أول ما نزل منها صدرها. ويؤيد هذا ما في الصحيحين [1] أيضا عن أبي سلمة عن جابر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: بينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء على كرسي بين السماء والأرض فرجعت فقلت: زملوني زملوني فدثروني فأنزل الله: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [2] فقوله:"الملك الذي جاءني بحراء"يدل على أن هذه القصة متأخرة عن قصة حراء التي نزل فيها: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} .
ثانيها: أن مراد جابر بالأولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي لا أولية مطلقة.
ثالثها: أن المراد أولية مخصوصة بالأمر بالإنذار وعبر بعضهم عن هذا بقوله أول ما نزل للنبوة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} وأول ما نزل للرسالة: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} .
رابعها: أن المراد أول ما نزل بسبب متقدم وهو ما وقع من التدثر الناشئ عن الرعب وأما اقرأ فنزلت ابتداء بغير سبب متقدم ذكره ابن حجر.
(1) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: {اقرأ وربك الأكرم} ، (6/ 174) ، رقم الحديث: 4956.
(2) صحيح البخاري، باب بدء الوحي، (1/ 7) ، رقم (4) ، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، (1/ 143) رقم: 255.