ويستدلون على هذا بالخضر؛ وأنه استغنى بما تجلى له من تلك العلوم، عما كان عند موسى من تلك الفهوم! وهذا القول زندقةٌ وكفرٌ، يُقْتَلُ قائلُه ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب؛ فإنه يلزم منه هدُّ الأحكام وإثبات أنبياء بعد نبينا عليه الصلاة والسلام". [1] "
-تعقيبٌ لسيد قطب:"وهذا القول الذي كان يقوله مشركو مكة في جاهليتهم، يقوله أمثالهم في كل زمان؛ ومنهم الذين يقولونه الآن؛ ممن يزعمون أن الأديان من صنع البشر؛ وأنها تطورت وترقت بتطور البشر وترقيهم، لا يفرقون في هذا بين ديانات هي من تصورات البشر أنفسهم، كالوثنيات كلها قديمًا وحديثًا، ترتقي وتنحط بارتقاء أصحابها وانحطاطهم، ولكنها تظل خارج دين الله كله. وبين ديانات جاء بها الرسل من عند الله، وهي ثابتة على أصولها الأولى؛ جاء بها كل رسول؛ فتقبلتها فئة وعتت عنها فئة؛ ثم وقع الانحراف عنها والتحريف فيها، فعاد الناس إلى جاهليتهم في انتظار رسول جديد، بذات الدين الواحد الموصول."
وهذا القول يقوله - قديمًا أو حديثًا - من لا يقدر الله حق قدره؛ ومن لا يعرف كرمَ الله وفضله، ورحمته وعدله، إنهم يقولون: إن الله لا يرسل من البشر رسولا ولو شاء لأنزل ملائكة! كما كان العرب يقولون، أو يقولون: إن خالق هذا الكون الهائل لا يمكن أن يُعنى بالإنسان «الضئيل» في هذه الذرة الفلكية التي اسمها الأرض! بحيث يرسل له الرسل؛ وينزل على الرسل الكتب لهداية هذا المخلوق الصغير في هذا الكوكب الصغير! وذلك كما يقول بعض الفلاسفة في القديم والحديث! أو يقولون: إنه ليس هناك من إله ولا من وحي ولا من رسل. . إنما هي أوهام الناس أو خداع بعضهم لبعض باسم الدين! كما يقول الماديون الملحدون! وكلُّه جهل بقدر الله - سبحانه - فالله الكريم العظيم العادل الرحيم، العليم الحكيم. . . لا يدع هذا الكائنَ الإنسانيَّ وحده، وهو خلقه، وهو يعلم سره وجهره، وطاقاته وقواه، ونقصه وضعفه، وحاجته إلى الموازين القسط التي يرجع إليها بتصوراته وأفكاره، وأقواله وأعماله، وأوضاعه ونظامه، ليرى إن كانت صوابًا وصلاحًا، أو كانت خطأ وفسادًا. . ويعلم سبحانه أن العقل الذي أعطاه له: يتعرض لضغوط كثيرة من شهواته ونزواته ومطامعه ورغباته، فضلًا على أنه موكل بطاقات الأرض التي له عليها سلطان بسبب تسخيرها له من الله، وليس موكلًا بتصور الوجود تصورًا مطلقًا، ولا بصياغة الأسس الثابتة للحياة. [2] .
(1) - الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي 7/ 27
(2) - في ظلال القرآن 2/ 1146